التدبّر :
* قول اللّه تعالى :
أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) :
أي : إنّ من الأدلّة الواقعيّة على قانون الجزاء الرّبّاني ، إهلاك اللّه عزّ وجلّ للمجرمين الأوّلين ، الذين كذبوا رسل ربّهم ، وكذّبوا بنبأ يوم الدين وما فيه من حساب ، وفصل قضاء ، وتنفيذ جزاء ، ومنهم قوم نوح ، وأقوام عاد وثمود وفرعون .
إنّ قصص إهلاك اللّه مجرمي القرون الأولى قصص معروفة مشهورة ، وبعض آثارهم مشهودة ، وما كان الرّبّ الحكيم الرحيم ليهلكهم إهلاكا جماعيّا شاملا ، إلّا بذنوب كبرى أصرّوا على ارتكابها ، فكان من الحكمة تطهير الأرض منهم ، فأنذرهم اللّه بالإهلاك الشامل على ألسنة رسله ، فاستهانوا بإنذار اللّه لهم ، ولم يعبؤوا بأوامر اللّه ونواهيه لهم ، وأكثروا في الأرض الفساد ، فأهلكهم ربّهم على ما فصّله في نصوص متعدّدة من سور القرآن المجيد .
جاء التّنبيه على هذا الدليل بأسلوب الاستفهام التقريريّ ، لانتزاع اعتراف المخاطبين ، وإقرارهم بأمر إهلاك اللّه المجرمين الأوّلين ، نظرا إلى أنّ إهلاك المجرمين الأوّلين من الأمور المعلومة تاريخيّا ، ونظرا إلى أنّ الآثار الدالّة على إهلاكهم ظاهرة في مواقع كثيرة يعرفها المخاطبون ، ولا سيما ما كان منها في الجزيرة العربيّة وما حولها .
والكلام على تقدير محذوف هو لفظ « المجرمين » بدليل قول اللّه عزّ وجلّ بعد آية :
كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
( 18 ) أي : بكلّ المجرمين ، فسنّة اللّه بعباده واحدة حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها .
* قول اللّه تعالى :
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ( 17 ) :
أي : ثمّ في الزّمن البعيد المتراخي الّذي يوجد فيه مجرمون آخرون مشابهون للمجرمين الأوّلين ، فنهلكهم إهلاكا عامّا شاملا ، ونجعلهم تابعين