فبعد انتهاء رحلة الابتلاء ، ومحو ظروفها ، لا بدّ أن تأتي النّشأة الأخرى ، بعثا للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء بالفضل أو بالعدل ، وهذه الحياة الأخرى هي حياة البقاء ، وفيها دار كرامة اللّه لمستحقّي الخلود في النّعيم بوعد اللّه الكريم . وفيها دار الإهانة ، للمعذّبين ، وللذين يخلدون فيها من الكفرة والفجرة والمجرمين .
فما أبدع الإيجاز وأعمق دلالاته في قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للمكذّب بيوم الدّين :
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( 7 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
( 8 ) ؟ ! !
بهذا قامت على الإنسان الحجّة العقليّة البرهانيّة على ضرورة الدّين بمعنى الجزاء ، فلا عذر له إذا أنكره أو كذّب بالأنباء الواردة بشأنه عن الرّبّ جلّ جلاله .
( ما ) : اسم استفهام ، والمعنى : أيّ شيء يحملك أيّها الإنسان على التكذيب بنبأ يوم الدّين .
( الدين ) : يأتي في اللّغة بمعنى الجزاء ، وهذا المعنى هو المراد هنا .
تقول لغة : دنت فلانا على عمله ، إذا جازيته عليه ، قال الشاعر العربيّ :
دنّا تميما كما كانت أوائلنا * دانت أوائلهم من سالف الزّمن
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
: استفهام فيه معنى الإنكار على الكافر المكذّب بنبأ الدّين ، مع تنبيهه على الحجّة العقليّة الّتي تدلّ ذوي الألباب على ضرورة الدّين ، الّذي لا بدّ أن تقضي به حكمة أحكم الحاكمين .
وبهذا تمّ تدبّر سورة « التين »
والحمد للّه على فتحه وتوفيقه
* * *