بحسبه ، فتقويم الرّمح يكون بجعل عصاه معتدلة مستقيمة ، لا عوج فيها ، وتقويم المخلوق المعدّ لوظيفة ما ، يكون بمنحه العناصر والصّفات اللّازمة بتعادل ، كي يؤدّي وظيفته التي خلق لها على أحسن وجه .
وباستطاعتنا أن نشرح المقسم به والمقسم عليه بما يلي :
قسما بالرّسالات العظيمة الهادية للّتي هي أقوم ، والمشتملة على بيان الدّين القيّم الذي اصطفيناه للناس ، والذي يلائم كماله حال من أنزلناه لهدايتهم ، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، فحاله يستدعي إنزال هذه الرّسالات القيّمة المشتملة على الدّين القيّم .
لَقَدْ خَلَقْنَا
: اللّام واقعة في جواب القسم ، و « قد » حرف يؤتى به للتحقيق والتوكيد . وجاء الفاعل ضمير المتكلّم العظيم ، لأنّ الإنسان المخلوق بصفاته الّتي جعله الخالق بها في أحسن تقويم ، لا يتمّ خلقه إلّا من قبل خالق عظيم ، فصفاته تدلّ على عظمة خالقه ، فجاء ضمير المتكلّم العظيم مشعرا بذلك .
وقد كان من كمال الحكمة أن يهيّئ الخالق لهذا المخلوق المتميّز مسكنا رفيعا جدّا يلائم تفضيله وتكريمه ، وجعله في أحسن تقويم ، فخلق له الفردوس الأعلى في جنّات النّعيم ، وخلق مراتب جنّات النعيم ، ودرجاتها للّذين لا يستحقّون باختياراتهم الفردوس الأعلى ، وتمّ بخلق جنات النّعيم على اختلاف مراتبها ودرجاتها تحقيق حكمة الفضل الرّباني .
ثمّ إنّ حرّيّة الإرادة الّتي منحت للإنسان ، جعلته يستطيع بها أن يجحد خالقه ، ويكفر به ، ويتمرّد على أوامره ونواهيه وأحكامه ، أو جعلته يؤثر العاجلة على الآجلة ، فيقع بالمعاصي والمخالفات ، والتقصيرات في القربات التي لو تقرّب إلى بارئه بها لكان أهلّا لاستحقاق درجات الفردوس الأعلى يوم الدّين .