ففي ذكر مهابط الوحي إشارة إلى الوحي ، ومضمون الوحي رسالات ربّانيّة للناس ، يبلّغها أنبياء مرسلون ، وفي هذه الرّسالات الرّبّانيّة كتب منزّلة من عند اللّه العليم العزيز الحكيم الرحيم . وكلّ هذه أمور عظيمة جليلة ، تستحقّ أن يقسم اللّه عزّ وجلّ بها ، لما فيها من آيات حكمته العظيمة .
وممّا يظهر لكل متدبّر أنّ القسم بالرّسالات الرّبّانيّة للناس ، يشير ضمنا إلى أنّها رسالات عظيمات جليلات ، إذ هي تهدي للّتي هي أقوم ، وبسبب ذلك استحقّت أن يقسم اللّه بها ، ليدلّ بقسمه بها على رفيع مكانتها ، وعظيم شأنها ، وحسنها وكمالها ، وأنّها حقّ وخير ، وأنّها السّبيل الأقوم للناس .
* قول اللّه تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) :
هذا هو المقسم عليه بمهابط الوحي ، إنّه التأكيد على أنّ اللّه جلّت قدرته ، وعظم سلطانه ، وسمت حكمته ، قد خلق الإنسان في أحسن تقويم .
إنّ الإشادة بالرّسالات الجليلات الّتي أنزلها اللّه عزّ وجلّ على رسله ، تستدعي تساؤلا مفاده : لماذا جعل اللّه هذه الرّسالات بهذا الكمال والحسن ، ومشتملة على الهداية للّتي هي أقوم ؟
وقد جاء المقسم عليه مشيرا إلى الجواب المسؤول عنه .
والمعنى : أنّ مخلوقا يخلق في أحسن تقويم يحتاج رسالات ربّانيّة عظيمة جليلة ، تهدي هذا المخلوق للّتي هي أقوم ، لتناسب الرّسالة ذات الصّراط الأقوم حال هذا المخلوق الذي اختير له أحسن تقويم في خلقه .
إذ من صفات هذا المخلوق الذي هو الإنسان : أنّه ذو حياة ، وذو قدرة يمدّه اللّه بها ، وذو إرادة حرّة ، وله صفات السّمع والبصر ، وسائر الحواسّ الظاهرة والباطنة ، ولديه القدرة على التعلّم واكتساب المعارف وتدبير الأمور ، واستنتاج الأسباب من مسبّباتها ، والنّتائج من مقدّماتها ،