أي : في هذه اللّيلة المباركة ليلة القدر الّتي أنزل فيها القرآن ، يفصل من اللّوح المحفوظ كلّ أمر حكيم - وكلّ أوامر اللّه حكيمة - من أوامر قضاء اللّه وقدره المحكم ، الّذي لا محو فيه ، ممّا يتعلّق بتدبير اللّه لأحداث السّنة القادمة ، حتّى ليلة القدر التالية .
وإنّما يتمّ هذا الفصل الذي جاء التعبير عنه بالفرق ، من جملة المكتوبات في اللّوح المحفوظ ، بأمر من عند اللّه عزّ وجلّ .
وإذ نلاحظ هذا الحدث العظيم من أحداث هذه اللّيلة المباركة ، فلا بدّ أن نلاحظ معه أنّ وظائف وأعمالا جليلة تتعلّق بالملأ الأعلى من الملائكة مقترنة به ، وهي أنّهم يحملون أوامر اللّه الحكيمة المحكمة ، الّتي فرقت من اللّوح المحفوظ ، وينزلون بها ، ليبلّغوها إلى الذين يكلّفون تنفيذها من ملائكة الأرض .
ومع قيام الملائكة بوظائفهم وأعمالهم الّتي يكلّفونها من كلّ أمر من أوامر تدبير اللّه لخلقه ، لدى تنزّلهم إلى الأرض في ليلة القدر ، لا بدّ أن نضع في تصوّرنا أنّ ملائكة السماء يشاركون المؤمنين المسلمين في مواسم الخير ، وأنّ مهرجانات العبادة للّه عزّ وجلّ مهرجانات تعمّ أهل السّماوات والأرض ، ولو لم يشعر المؤمنون من الإنس بمشاركة الملائكة لهم في مواسم الخير ، إلّا أنّهم يؤمنون بذلك تصديقا لما ثبت لديهم من أخبار عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
ولا يكون بمعزل عن هذا المهرجان العظيم إلّا الكافرون ، والعصاة المعاندون المجرمون ، والشياطين ، فهم المحرومون من بركات مواسم الخير ، وخيراتها الرّبانيّة العظيمة .
* قول اللّه عزّ وجلّ :
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( 5 ) .
وصف اللّه جلّ جلاله هذه اللّيلة المباركة ليلة القدر بأنّها سلام ، وفي