يستطع الضّغط على عاطفته ، فأنزل اللّه عليه هذا النّصّ ، متضمّنا أسلوبا تربويّا فيه الإقناع المشوب بالعتاب .
والمعنى : لو شاء ربّك يا محمّد إكراه الناس على الإيمان ، لسلبهم حرّيّاتهم ، فجعلهم مجبورين ، فأكرههم ، فآمن من في الأرض كلّهم جميعا ، أو لاتّخذ من الوسائل ما يجعلهم ملجئين إلى الإيمان إلجاء .
لكنّ هذا يتنافى مع حكمة الامتحان في ظروف الحياة الدنيا ، وحكمة ترك الناس لاختيارهم الحرّ .
فإذا كان ربّك القادر على جعلهم مجبورين على الإيمان جميعا لم يفعل ذلك ، لأنّه شاء أن يجعلهم مخيّرين ، ليبلوهم فيما آتاهم ، أفأنت يا محمّد ويا كلّ من يدعو إلى اللّه من أمّته تكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين ، مع أنّه أمر لم يختره اللّه لنفسه ، وهو ذو القدرة التامّة عليه .
النصّ الثامن :
قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( هود / 11 مصحف / 52 نزول ) مبيّنا مثلا من أمثلة دعوة الرّسل السابقين لأقوامهم ، الّذي ينبغي التّأسّي به ، وهو مقتطع من دعوة نوح عليه السّلام لقومه :
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) .
في هذه الآية بيان جانب من حوار نوح لقومه ، حول حرّيّة النّاس في اختيار الإيمان والكفر ، وأنّ الرّسول لا يملك إلزام الناس بالإيمان ، بعد أن منحهم اللّه عزّ وجلّ حرّيّة الاختيار ليبلوهم ، وحمّلهم مسؤوليّة اختيارهم ، فعليهم أن يتحمّلوا عقوبات اختيارهم عند ربّهم إذا اختاروا الكفر على الإيمان ، والضّلالة على الهدى ، والظلمات على النور .
* * *