تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
أي : ويفرّ المرء من أمّه وأبيه ، وفي بيان هذا ارتقاء من الأخ ، إلى الأمّ والأب اللّذان هما أكثر قرابة ، وحقّهما عليه أكثر من حقّ أخيه . وجاء في البيان تقديم الأمّ مراعاة للنّسق الجماليّ في الآيات ، ولأنّ الأمّ أكثر تعلّقا بولدها مستنجدة به من الأب ، ففراره منها آكد عنده . * قول اللّه عزّ وجلّ :
وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) :
أي : ويفرّ المرء من صاحبته وبنيه ، وفي بيان هذا ارتقاء أيضا من الأمّ والأب ، إلى الصّاحبة والبنين . لأنّ هوى الإنسان مرتبط بصاحبته الّتي يحبّها أشدّ من ارتباط عاطفته بأمّه وأبيه ، ولأنّ ارتباط عاطفته ببنيه أشد من ارتباطه بصاحبته . فالعطف ولو كان بالواو الّتي تدلّ على مطلق الجمع ، إلّا أنّ ترتيب المعطوفات قد لوحظ فيه معنى الارتقاء الطبيعيّ ، وهذا من بدائع الترتيب اللفظي في القرآن . ولعلّ في اختيار كلمة
وَصاحِبَتِهِ
دون لفظ [ زوجته ] معنى مقصودا ، ويظهر هذا في أمرين : الأمر الأول : أن تكون صاحبته في الدنيا غير ذات صفة شرعيّة تجعلها زوجة له ، فالعلاقة بينهما علاقة حبّ . الأمر الثاني : أن تكون زوجته في الدنيا مكروهة له غير محبوبة ، فمن شأنه أن يفرّ منها ، فمن غير المناسب ذكرها في البيان . أمّا الصاحبة فهي الحبيبة الملازمة ، وفراره منها دليل على أنّه مهموم بنفسه ، يبحث عن نجاته ، ويفرّ من كلّ من يخشى أن يتعلّق به . دلّت هذه الآيات من ( 34 - 36 ) على أنّ الناس يوم البعث قبل الحساب وفصل القضاء يفرّ بعضهم من بعض ، حتّى إنّهم يفرّون من كلّ من كانوا أحبّاءهم في الحياة الدّنيا ، لأنّهم يكونون مهمومين مشغولين بأمورهم