تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) :
كَلَّا
: كلمة زجر لهذا الإنسان الذي قال اللّه بشأنه :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ
( 17 ) والمراد به الإنسان الكافر . لقد أعطاه اللّه مدّة عمره في الحياة الدنيا ، وأمهله إمهالا كافيا ، ليؤمن ويعمل عملا صالحا ، ويتوب إلى ربّه . لكنّه لم يفعل ، وقد كان بإمكانه أن ينجي نفسه ولو قبل أن يدركه الموت بلحظات لم تصل فيها نفسه إلى عتبة الموت . ولم تبلغ روحه الحلقوم ، لقد أدركه الموت وهو على كفره وجحوده وفجوره . وكلمة
لَمَّا
في الآية حرف جازم للفعل المضارع ، وهو يجزمه لفظا ، ويقلب معناه إلى الماضي مثل حرف « لم » ومعنى حرف « لمّا » النفي ، ولكن يدلّ على أنّ منفيّه متّصل النفي إلى ما قبل النّطق مباشرة ، وكان بإمكانه تغيير حالة النفي هذه بالقيام بما نفته ولو قبل لحظة بدء النطق مباشرة . وإذ قد جعل اللّه للإنسان مجالا لأن يتوب ما دام حيّا ، لم يدركه الموت ، ولم تبلغ روحه الحلقوم ، فإنّ أدقّ تعبير للحكم عليه إذا مات قبل أن يتوب ويؤمن ، أن يقال بشأنه : لمّا يتب ، لأنّ فرصة التوبة قد كانت مهيّأة له إلى ما قبل لحظة بلوغ روحه الحلقوم . وقد كان له رجاء حتّى لحظة ما قبل الموت أن يقبل اللّه توبته وإيمانه واستغفاره ، لو شاء هو أن يتوب ويؤمن ويستغفر ، فينجو بذلك من الخلود في عذاب جهنّم ، لكنّه لم يفعل ، وساعتئذ يصدر القرار الحكميّ بشأنه :
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ
( 23 ) أي : لمّا ينفّذ ولمّا يمض ما أمره ربّه به ، من إيمان وإعلان للطاعة والإسلام ، ولو أنّه قضى وأمضى بالتّنفيذ ما أمره اللّه به لنجا من الخلود في عذاب النار .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 243 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني