* قول اللّه عزّ وجلّ :
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) :
أي : ثمّ بعد مرور زمن البرزخ الفاصل بين الموت والبعث للحياة الأخرى ، وبعد زيارة القبر « 1 » طوال زمن البرزخ ، ينشره اللّه ، ويبعثه إلى الحياة الأخرى ، حياة الحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء الأمثل .
وهذا البعث هو المرحلة الرابعة من مراحل تكوين الإنسان ، تنفيذا لما سبق به قضاء اللّه وقدره .
أَنْشَرَهُ
: أي : أحياه بعد الموت ، تقول لغة : نشر اللّه الميّت نشرا ونشورا ، وأنشره اللّه إنشارا ، أي : أحياه بعد الموت .
وتقول : نشر الميّت « بصيغة الفعل اللّازم » أي : عاد إلى الحياة .
إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
: ربط اللّه الإنشار بمشيئته الّتي سوف تتوجّه مستقبلا لتنفيذ ما سبق أن تمّ به قضاؤه وقدره . أخذا من دلالة « إذا » الّتي هي ظرف لما يستقبل من الزمن ، إشارة إلى أنّ وقت البعث ممّا أخفاه اللّه على كلّ خلقه ، فلا يعلم وقته ، ولا الأسباب ولا الأحداث الّتي قد تعطي ظنّا بوقته إلّا اللّه وحد ، جلّ جلاله ، وتباركت أسماؤه وصفاته .
فالمشيئة هنا مشيئة التنفيذ ، لا مشيئة القضاء والقدر السابقة في خطّة التكوين ، إذ إنّ وقت الإنشار مقرّر في علم اللّه سابقا .
فلا مطمع لأحد من الخلائق مهما علت منزلته عند اللّه في أن يعلم وقت الإنشار ، إنّه ممّا استأثر اللّه بعلمه لمقتضيات حكمته جلّ جلاله .
كذلك أخفى اللّه عزّ وجلّ وقت السّاعة الّذي تنتهي فيه ظروف هذه الحياة الدنيا .
هامش
( 1 ) المراد بالقبر مكان وجود النواة التي لا تدرك بالأبصار ، والّتي تكون منها النشأة الأخرى ، إذ الغالب أن تكون منثورة في قبر من القبور أو في التراب .