قول اللّه عزّ وجلّ :
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
( 20 ) : أي : ثمّ بعد ولادته ونشأته سهّل اللّه الإنسان وهيّأه وأعدّه ميسّرا لا يجد عسرا في اتّباع السّبيل ، وهو صراط اللّه المستقيم ، الذي أنزل الكتب وبعث الرسل لبيانه والهداية له .
يسّره : أي : سهّله وهيّأه وأعدّه ميسّرا ، ويكون التسهيل بإعطاء الوسائل وتذليل الموانع والعقبات .
وفي تحليل هذه العبارة لدينا وجهان .
الوجه الأوّل : أن يكون أصل العبارة ثمّ يسّره لسلوك السبيل ، فحذفت كلمة « سلوك » إيجازا ، وقدّم : « للسّبيل » على الفعل مراعا للنّسق الجمالي في الآيات ، وبعد ذلك حذف الجار ، فانتصب لفظ « السبيل » بنزع الخافض ، فصارت العبارة
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) .
فعل « يسّر » يتعدّى لمفعول به واحد ، ويتعدّى للمفعول الثاني بالجار .
والمعنى : ثم يسّر اللّه الإنسان بما وهبه من صفات ، لسلوك سبيل اللّه ، الذي هو سبيل هدايته ونجاته وسعادته الأبدية ، فإذا شاء الإنسان سلكه ، ويساعده اللّه على سلوكه ويمدّه بمعونته .
الوجه الثاني : أن يكون فعل « يسّر » قد ضمّن معنى فعل « هدى » وتقدير العبارة : ثمّ يسّره هاديا إيّاه السبيل . وإذ حذف الفعل الذي جعل ضمن فعل يسّر ، فإنّ تقدير العبارة يكون : ثم يسّره السّبيل ، وبعد هذا قدّم السبيل مراعاة للنّسق الجمالي ، فصارت العبارة :
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
( 20 ) أي : ثم هداه السبيل ويسّره لسلوكه .
والمراد بالسبيل فيما أرى صراط اللّه المستقيم ، لا مخرج ولادة الجنين ، لأنّ العطف قد جاء بحرف « ثم » الدّالّ على التراخي ، ولو كان المراد سبيل خروج الجنين من رحم أمّه لكان المناسب أن يعطف بالفاء .