فتولّي حامل الرّسالة عن طالب التزكية أو التذكير لا يصحّ ما دامت احتمالات النّفع قائمة ، ولا يكون هذا التولّي مقبولا إلّا إذا كان مصحوبا بدراية صحيحة تكشف أنّ السائل قد جاء ليشغل وقت حامل الرسالة بما لا نفع فيه ، ولم يأت لينتفع في تزكية أو ذكرى ، ولا يكفي الظنّ التّقديريّ في هذا الأمر وأشباهه ، بوصفه أحد الاحتمالات فقط . وهو معارض بما لا يصحّ معه التولّي .
* قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله :
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) كَلَّا . . .
:
في هذه الآيات عتاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على تصدّيه للمستغني الصّادّ عن دعوة الحق ، المقرون بتلهّيه به عن السّاعي الخائف من ربّه ، الّذي هو طالب للتزكية أو التذكير .
( استغنى ) : أي أصاب غنى بماله ، أو بمكانته الاجتماعيّة ، وامتلأت مشاعر نفسه بالاستغناء فاستكبر ، وأبى أن يستجيب لدعوة حامل الرسالة .
تَصَدَّى
: أصلها « تتصدّى » حذفت التاء الثانية للتخفيف في اللفظ ، والمعنى : تتعرّض له ، وتقبل عليه ، معتنيا به ، تحمل همّ إقناعه ، بغية تحويله من الكفر إلى الإيمان ، ومن الاستكبار إلى الإسلام والخضوع والطاعة .
التصدّي في اللّغة هو فعل الذي يرفع رأسه وصدره يتصدّى للشيء ينظر إليه ، واستعمل في النّصّ هنا كناية عن توجيه كلّ العناية لمن هو المقصود بالتّصدّي .
وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى
( 7 ) : يحتمل أن تكون هذه الجملة استفهاميّة ، ولفظ « ما » فيها اسم استفهام ، والواو قبلها عاطفة ، وأن تكون خبريّة ، ولفظ « ما » فيها حرف نفي ، والواو قبله واو الحال .