تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) .
لأنّ عتاب اللّه للرسول في قصّته مع الأعمى ، وهو يوجّه عنايته الفائقة لدعوة بعض عظماء قريش ، مع شدّة حرصه على هدايتهم ، أشدّ من عتابه له على إذنه للرّاغبين في التخلّف عن غزوة تبوك ، فقد كان معظم المعتذرين منافقين ، والمصلحة في عدم الإذن لهم تظهر بكشف وفضح نفاقهم وكذبهم في معاذيرهم ، ويقابلها أنّهم لو خرجوا مع جيش الرسول ما زادوا في المسلمين عددا صحيحا ، إنّما يزيدونهم فسادا وإفسادا ، وهذا أمر جدير بالملاحظة ، وعذر القائد في اختياره عذر واضح ، وفيه تحقيق لمصلحة عظمى ، إلّا أنّ عدم الإذن لهم قد كان أكثر رجحانا ، وهو ما أرشد اللّه إليه في العتاب .
عَبَسَ
: تقول لغة : عبس الرّجل يعبس عبسا وعبوسا ، إذا كلح وجهه ، وتقبّض عن كراهية واستياء . وتقول أيضا : عبس الرّجل وجهه ، إذا جعله بإرادته منقبضا عن تكرّه واستياء . فالفعل يأتي لازما ومتعدّيا ، ويمكن حمل ما جاء في الآية على الأمرين كليهما ، فوجه الرّسول عبس بحركة غير إرادية ، ثمّ عبس الرّسول وجهه بحركة إراديّة . ويلاحظ أنّ اللّه عزّ وجلّ كشف ما كان ما الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من عبوس ، مع أنّ عبوسه لا يراه الأعمى ، ليعلّمنا أنّه ليس من الأدب الإسلامي أن نواجه العميان بما يكرهون من أعمال وحركات لو كانوا مبصرين لرأوها ، على أنّه لا يخلو الأعمى غالبا من قائد يبلّغه ، فيكون حاله بذلك كحال البصير .
وَتَوَلَّى
: أي : وأدار ظهره مدبرا ، والتولّي ضدّ المواجهة ، وبينهما
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 217 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني