تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
الدنيا ، هو وحده الذي سينشئ النّشأة الأخرى للجزاء . النّشأة : هي الحدوث المصحوب بالتّكامل المتدرّج غالبا ، يقال لغة : نشأ الشيء نشئا ونشوءا ونشأة ، إذا حدث وتجدّد ، ويقال : نشأ الصبيّ إذا شبّ ونما . والقضية السادسة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ( 48 )
أَغْنى
: أي : جعل بقضائه وقدره وخلقه الغنى لكلّ ذي غنى . الغنى : كثرة المال ووفرته .
وَأَقْنى
: أي : جعل بقضائه وقدره وخلقه لعباده ما يقتنونه ممّا يحتاجون إليه مستقبلا . يقال لغة : قنى فلان الشيء يقنيه قنيا ، أي : كسبه وجمعه وادّخره لنفسه لا للتجارة . وكذلك اقتناه . وجاء في هذه الآية التأكيد بضمير الفصل [ هو ] لإفادة القصر ، أي : فلا مغني ولا مقني إلّا اللّه جلّ جلاله . فدلّت هذه الآية على أن اللّه عزّ وجلّ هو وحده الذي أغنى ذوي الحاجات في الوجود ، بما هيّأ لهم في الدنيا من وسائل قضاء حاجات حياتهم من رزق وغيره ، على مقادير كفاياتهم وأكثر ، وزاد على ذلك فجعل لهم من الوسائل ما يمتلكونه ويدّخرونه ويقتنونه ، ومنه ما يكون أصله طويل الإقامة عندهم ، متجدّد العطاء والثمرة ، متنامي الذّات ، أو ذا أنسال ومواليد ، فهم ينتفعون من مقتنياتهم مطمئنّين بحسب حاجاتهم ، كالأنعام والشّجر ، وكلّ ما يقتنى ويدّخر . وقد كان من الممكن عقلا أن يجعل غناهم دون اقتناء ، كما جعل المنّ لبني إسرائيل ، إذ كانوا يرزقونه يوما فيوما ، ولا يستطيعون ادّخار شيء
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 161 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني