وعلى سبيل المجاز بالاستعارة استخدم القرآن فعل « أكدى » للدلالة على شحّ نفس الرجل ، إذ هي كالصفاة الّتي لا تنزّ بماء ، وكان هذا القدر كافيا في التعريف بالرّجل ضمن بيئته أيّام نزول النّصّ القرآني ، وكافيا في الدلالة على أنه من الّذين لا يريدون إلّا الحياة الدّنيا ، والانطلاق فيها دون ضابط من الدين .
ونجد في جملة :
وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى
( 34 ) من وراء التعبير عن قصّته مع من تعهّد له من المشركين ، بأن يتحمّل عنه العذاب عند ربّه مقابل ما يبذل له من مال ، إلماحا إلى أنّه أقبل إلى الإسلام خوفا من عذاب اللّه ، ثمّ أدبر عنه لمّا توهّم أنّه قد درأ عن نفسه عذاب اللّه .
وقد أوجز اللّه قصّته إلى أدنى الحدود ، لأنّ الغرض منها بناء الأفكار عليها ، دون الاهتمام بكونها مقصودة بالذّات .
وكان من الحكمة الإقناع بما يكفي حول هذا التوهّم الباطل ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
*
أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 ) :
استفهام تعجيبيّ من أمره ، إذ لا يملك أيّ دليل ولو كان دليلا ضعيفا يمكن اتخاذه ذريعة لقبول ما توهّمه .
أي : أعنده علم الغيب فهو يرى من مشاهد الغيب أو مكتوباته أنّ اللّه عزّ وجلّ يقبل أن يتحمّل أحد العذاب عن غيره ، إذا فداه بنفسه ، أو باعه من نفسه أن يتحمّل العذاب عنه ، مقابل مال يأخذه منه في الدنيا .
ويلاحظ أنّ الحديث عنه قد جاء بأسلوب الحديث عن الغائب ، لا بأسلوب مواجهته بالخطاب ليعمّ أمثاله .
إنّ قضاء اللّه بيّن عباده وقانون عدله وفضله من أمور الغيب ، وهي