سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 )
لكن أثّر عليه توهّم نفع شراء من يتعهّد له بأن يتحمّل العذاب بدله ، فصرف الخوف من عذاب اللّه عن قلبه ، وقد كان ممّن يؤثرون الحياة الدنيا ، والانطلاق فيها دون ضابط من الدّين ، فوجد لنفسه مخرجا من مشاعر الخوف ، فكان لا بدّ من إقناعه وإقناع نظرائه بإسهاب ، وهو ما جاء في هذا الدرس الرابع من دروس السورة .
*
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ( 33 ) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى ( 34 ) .
استفهام تعجيبيّ من أمر هذا الّذي تولّى ، فأدبر ولم يتابع مسيرته في الإسلام ، لمّا خدعه شيطان من شياطين المشركين إذ تعهّد له بأن يتحمّل عنه العذاب عند ربّه ، مقابل مال يدفعه إليه .
فأعطى من ماله قليلا كما جاء في قصّته الواردة في سبب النزول ، وتوقّف عن أن يزيد في العطاء لمن تعهّد له ، وفي هذا بيان لما في نفسه من شحّ ، وليس المراد ذمّه إذ لم يبذل كثيرا ، فقضيّته كلّها مرفوضة أصلا وفرعا ، لأنّها مبنيّة على توهّم باطل .
وفي عبارة :
وَأَكْدى
استعارة قائمة على تشبيه من يعطي قليلا ويتوقّف بعد ذلك باخلا شحيحا ، بالذي يحفر في الأرض ليستخرج ماء فيجد قليلا من الماء ، وبعد ذلك تظهر له كدية في الأرض وهي من الصّخور الشديدة العظيمة التي لا ترشح بماء ، أو الأرض الغليظة الجافّة التي لا مطمع في حفرها واستخراج الماء منها ، فيتوقف عن متابعة الحفر .
وقد كان الرّجل من العرب إذا عمل في حفر بئر طمعا في الوصول إلى الماء ، ربّما وجد بعض ماء نزّ من السّطح من بقايا الأمطار القريبة ، فإذا ظهرت له وهو يحفر كدية عظيمة لم يستطع حفرها ولا اقتلاعها ، قالوا : أكدى ، أي :
وجد كدية ، أو ظهرت له في بئره كدية ، فيتوقف عن متابعة الحفر .