تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 706

مساهمون:

ص٧٠٦
والعبادة الاختيارية : هي السّلوك الإراديّ الواعي المحقّق لمطلوب الرّبّ من عبده ، أو لما يرضيه منه ، على ما شرع ، مع قصد عبادته وحده لا شريك له ، وهذه العبادة هي الّتي كلّف اللّه عباده أن يؤدّوها في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا ، وهي الّتي رتّب عليها الثواب العظيم الخالد في جنّات النعيم ، يوم الدين ، مع ثواب معجّل في الدّنيا قد يمنحه اللّه عباده . وقد علمنا من روايات أسباب نزول السورة ، أنّها نزلت بمناسبة ما عرضه مشركو قريش على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، من المصالحة الدّينيّة ، فيعبد آلهتهم سنة ، ويعبدوا إلهه سنة ، أو يخلطوا الدّينين ، فيعبدوا هم ما يعبد ويعبد هو ما يعبدون . وقد حسم اللّه الأمر بتّا ، فأنزل على رسوله هذه السورة ، وهي تتضمّن توجيها للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكلّ مؤمن مسلم من بعده . فبدأ اللّه عزّ وجلّ السّورة بأمر التكليف ( قل ) وعلّم رسوله وسائر المؤمنين المسلمين أن ينادوا المكذّبين الجاحدين بوصفهم المشتقّ من الكفر ، فيواجهوهم بالنّداء التالي :
يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
وأن يعلنوا لهم بكلّ حزم وعزم وإصرار رفض المساومة في الدّين قولا واحدا . إنّ عرض المشركين يتضمّن مفاوضة توفيقيّة بين الإيمان والكفر . والتعليم الرّبّانيّ بشأن هذه المفاوضة يتضمّن أن الإيمان والإسلام لا يقبلان التّبعيض ، لأنّهما الجامعان لدين اللّه الذي اصطفاه لعباده ، ودين اللّه حقّ كلّه ، فلا يقبل التبعيض ولا الاختلاط والامتزاج بالباطل ، ومتى امتزج بالباطل تنجّس فلم يبق طهورا ولا طاهرا ، ويمسي غير مقبول عند اللّه عزّ وجلّ . ويتضمّن هذا التعليم الرّبّانيّ أنّ عبادة اللّه عزّ وجلّ لا تقبل الشّرك به ، فمن أشرك بعبادته أحدا غير اللّه لم يكن للّه عابدا ، إذ يردّ اللّه عليه عبادته ، فهو أغنى الشركاء عن الشّرك .