وقد دلّت هاتان الآيتان على أنّ من الأمراض النفسية الخبيثة للتكذيب والكفر بقانون الجزاء الرّباني ، جفاف عاطفة الرحمة في نفس المكذّب الكافر .
ومن الظواهر السلوكيّة لهذا الداء دعّ اليتيم بدفعه دفعا عنيفا بشدّة وغلظة ، إذ هو من أضعف الضعفاء في المجتمع البشري ، فماله من يدافع عنه ويحميه ويحفظ حقوقه .
ومن الظواهر السلوكية لهذا الداء أيضا عدم الحضّ على إطعام المسكين ، ذي الحاجة التي أفضت به إلى الجوع .
وهاتان الظاهرتان في السّلوك تدلّان على أمثالهما ، وتدلّان من باب أولى على ظواهر سلوكيّة قبيحة أخرى .
إنّ من يكذّب بالدّين ( - قانون الجزاء الرّبّاني ) وباليوم الذي أعدّه اللّه عزّ وجلّ لتحقيق الجزاء الأمثل ، تموت الرحمة في قلبه ، إذ هو لا يرقب حسابا ولا عذابا ولا ثوابا ، فتنزع من قلبه الخشية من العقاب ، وينزع من قلبه الطّمع بالثواب ، فتنموا في نفسه الأنانيّة الضيّقة المسرفة المقيتة ، حتّى تقطعه عن النظر إلى الآخرين ، وعن الشعور بمشاعرهم .
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« لا تنزع الرّحمة إلّا من شقيّ » . [ حديث حسن رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وابن حبان ] .
ومن أشنع مظاهر موت الرحمة وانتزاعها من قلب الإنسان ، أن يكون ظلّاما للضعفاء الذين لا يجدون حيلة يدافعون بها عن أنفسهم .
وأضعف الضعفاء في أفراد المجتمع من كان صغيرا يتيما ، إذ هو ضعيف لا حيلة له ، وليس له نصير يدافع عنه ويحنو عليه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 692
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٩٢