« لو فعل لأخذته الملائكة عيانا » .
( 3 ) وأخرج الإمام أحمد ومسلم والنّسائيّ وغيرهم عن أبي هريرة قال : قال أبو جهل : هل يعفّر محمّد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم .
قال : واللّات والعزّى لئن رأيته كذلك لأطأنّ على رقبته ، ولأعفّرنّ وجهه في التّراب ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلّي ليطأ على رقبته . قال : فما فجأهم منه إلّا وهو ينكص على عقبيه ، ويتّقي بيده ، فقيل له : ما لك ؟ .
فقال : إنّ بيني وبينه خندقا من نار ، وهولا ، وأجنحة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا » وأنزل اللّه عزّ وجل :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
( 7 ) إلى آخر السورة .
وما ورد من أسباب النزول لا يخرج النّصّ عن كونه ذا دلالة عامّة ، فالعبرة بعموم النّصّ لا بخصوص السّبب ، كما هو مقرّر عند علماء أصول الفقه .
إنّ هذا الصنف الطّاغي الجبّار ، الذي يتدخّل في عقائد الناس وعباداتهم ، والذي يمنع المصلّين عن صلاتهم بحسب معتقداتهم فيضطهدهم وينزل بهم عذابا من أجل معتقداتهم وعباداتهم ، صنف موجود في كلّ عصر ، وبلد ومصر ، وعموم النّصّ يشملهم ، والوعيد الّذي جاء في السّورة يعمّهم جميعا ، ولا يخصّ أبا جهل ولا نظراءه من الطّغاة الّذين كانوا في عصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن قد يؤجّل اللّه العقاب إلى أجل ما في الحياة الدنيا ، أو إلى يوم الدّين .
ما أبدع عرض هذا الصّنف الذي هو شرّ النّاس بعبارة :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى
( 10 ) .
هذه العبارة تتضمّن أنّ حرّيّة الاعتقاد والعبادة لدى جميع العقلاء من الناس ، ينبغي أن تكون مصونة في المجتمع البشري ، ولا يصحّ أن تكون عرضة للإكراه فعلا ولا تركا .