عذاب ربّهم بالإيمان به والإسلام له والسّمع والطاعة ، ولا يكون كذلك إلّا إذا كان على هدى في نفسه ( وهذا صنف آخر من الناس ) .
فما أبدع التعريف بهذين القسمين عن طريق هذا الأسلوب البالغ الإيجاز .
وأخيرا جاء بيان القسم الرابع ، الضّالّ بنفسه ، المكذّب برسالة ربّه ، دون أن يكون طاغيا باغيا داعيا إلى الكفر وهجر سبيل الهداية ، بقول اللّه عزّ وجلّ :
أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
( 13 ) .
أي : أرأيت أيّها الرّائي المتفكّر صنفا آخر من النّاس ، وهو صنف اقتصر على أن كذّب بالرّسالة الرّبّانيّة وتولّى عنها ، دون أن يكون مغويا طاغيا ناهيا عن الإيمان باللّه والإسلام له ، إنّه أيضا ينبغي أن يتعجّب من أمره أولوا الألباب ، لأنه يعرض نفسه لعقاب اللّه والشقاء الأبدي .
تولّى : يأتي بمعنى « نأى » أي : ابتعد ، ويأتي بمعنى « أدبر » . ومن تولّى عن الاستجابة للدعوة إلى دين اللّه الحقّ فلا بدّ أن يدبر لزوما .
وبعد استيفاء عرض الأقسام اقتضت الحكمة التربويّة التلويح بتحذير المكذّب المتولّي من عقاب اللّه وعذابه ، بأسلوب استثارة معرفته بأنّ اللّه يراه ، ومن يعلم بأنّ اللّه ربّه يراه ، وكان ذا بصيرة فلا بدّ أن يخاف عقابه ، على تكذيبه برسالاته ، وتولّيه عن رسول ربّه ، فذو البصيرة يعلم أنّ اللّه ربّه قدير وحكيم ، والحكيم لا بدّ أن يعاقب الجاحد الكافر المكذّب ، ولا بدّ أن يثيب المؤمن المصدّق السميع المطيع لأوامره ونواهيه ، فقال اللّه عزّ وجلّ في هذا التلويح :
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
( 14 ) ؟ !