« لا تزول قدما عبد حتّى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ؟ . وعن علمه ما فعل فيه ؟ . وعن ماله من أين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه ؟ . وعن جسمه فيم أبلاه ؟ » .
ولمّا كانت مقادير انتفاع النّاس بلحظات أعمارهم متفاوتة تفاوتا كبيرا ، حتّى يصل إلى مثل التّفاوت بين القطرة والبحر ، وكان الإنسان في معظم أحواله ما بين مستهلك أوقات عمره في نفع قليل ضئيل ، أو فيما لا نفع فيه مطلقا ، أو فيما يحمل به أوزارا ، كان في وضع دائم من الخسر ، كلّما أمضى لحظة ممّا كتب اللّه له من عمر ، ما مرّ عليه حين ما من العصر ، وحامل الأوزار في لحظات عمره خاسر ومدين ، على حساب أوقات خلوده يوم الدّين .
فمن الحقّ والدّقّة الرائعة في البيان ، أن يقسم اللّه عزّ وجلّ بالعصر على أنّ الإنسان لفي خسر .
والمناسبة بين العصر الذي هو الزمن السيّال ، والذي تحدّد بأجزاء منه أعمار الناس ، وبين كون الإنسان في خسر من رأسماله في حايته الدّنيا ، كلّما انصرم من عمره زمن ما ، مناسبة ظاهرة .
وفي القسم بالعصر إشارة إلى أن الإنسان هو الإنسان مهما اختلفت عليه الأزمنة ، في خصائصه النفسية التي تدفعه إلى أن يعبّر عنها بأنواع من السّلوك تؤدّي به إلى الخسر في أكثر أحواله ، منذ عهد آدم وإلى أن تقوم الساعة .
* قول اللّه تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( 3 ) .
استثنى اللّه عزّ وجلّ بهذه الآية من عموم كون الإنسان المكلّف ، الذي يعيش هذه الحياة الدنيا ، في محيط به من الخسر ، فريقا من النّاس لا