وفرق كبير بين لحظة تقطع فيها دويبّة مقدار عرض شعرة من الأرض ، ولحظة يقطع فيها فرس عدّة أذرع ، ولحظة تقطع فيها طائرة أميالا ، في حين يجتاز فيها الضوء مئات الألوف من الأميال .
ويمكن أن نقول : إنّ العرض في لحظة إنسان يعمل فيها عملا نافعا يأتي من شمول الخير وكثرته ، أمّا العمق فيأتي من بقاء جريان الخير في المستقبل .
ولهذا كانت الصّدقة الجارية ، والعلم الذي ينتفع به ، من الأعمال الّتي يعملها المؤمن في وقت عريض عميق . أمّا طوله فهو يساوي طول أيّ وقت آخر جرى فيه عمل ضئيل النّفع قليل القيمة ، أو مرّ ضائعا إسرافا وتبذيرا ، لكنّه مختلف في عرضه وعمقه ، بمقدار شمول النّفع ، وبقاء الجريان .
فمن تصدّق بصدقة جارية ، أو نشر علما نافعا ، فقد استفاد من عرض وقته وعمقه ، إذ يبقى أثر عمله فيه ولو مات ، هذا ما تعلّمناه من كلام الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاث : صدقة جارية ؛ أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » .
من هذا التحليل الفكريّ يتبيّن لنا بوضوح أنّ رأس مال الإنسان في الحياة الدنيا أوقات عمره وطاقاته المادّيّة والمعنويّة المقترنة بها اقترانا يشبه الامتزاج .
ورأس المال هذا هو منحة من اللّه عزّ وجلّ للإنسان في الحياة الدّنيا ليمتحنه ، وهو مسؤول عنه يوم القيامة ، كما جاء في الصحيح ممّا روي عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
روى الترمذيّ عن أبي برزة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 610
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦١٠