والنّصب يكون عادة من أثر عمل فيه جدّ واجتهاد .
وفراغ الإنسان يكون عادة إذا انتهى من عمل كان يعمله ، ويقال : فرغ من الشيء إذا أتمّه .
فمعنى الآية بعد هذا التحليل : فإذا فرغت من عمل من أعمال الخير ، كأعمال الدّعوة إلى اللّه ، وأداء مهمّة من المهمّات الّتي كلّفتها في رسالتك ، فأنشئ عملا آخر تجاهد فيه قائما بوظائف نبوّتك ، ووظائف رسالتك حتّى تنصب متعبا ، ولاتن بفتور وكلل ، وهذا نظير قول اللّه عزّ وجلّ لموسى وهارون عليهما السّلام كما جاء في سورة ( طه / 20 مصحف / 45 نزول ) :
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي
( 42 ) .
أي : ولا تفترا ولا تضعفا عاملين كادحين في القيام بأعباء رسالتكما المشتملة على ذكري ، فذكر اللّه بالنسبة إلى حامل الرسالة ، يكون بالدعوة إلى الإيمان به ، والاستمساك بالدّين الذي اصطفاه اللّه لعباده .
فقول اللّه لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ
( 7 ) يتضمّن أمره بمواصلة المجاهدة في أداء وظائف رسالته ، فكلّما فرغ من عمل من أعمالها ، فإنّ عليه أن يعمل في عمل آخر حتّى ينصب فيه متعبا .
وأرشده اللّه عزّ وجلّ بعد هذا إلى الدّواء الّذي يمدّ بالعون والقوّة والنّشاط ، ليتابع مجاهدته في مسيرته الرّبّانيّة وهو دواء الدّعاء والالتجاء إلى ربّه أن يمدّه بالقوّة والعون والنّشاط ، ما كان منها مادّيّا ، وما كان منها معنويّا ، فقال له :
*
وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
( 8 ) :
أي : وإلى ربّك فابتهل وتضرّع داعيا سائلا حتّى ييسّر أمرك ، ويدفع عنك العسر ، ويمدّك بما تحتاج إليه من قوّة ومعونة ونشاط ، وحتّى يقضي لك بالتوفيق والتّسديد والتأييد والنّصر .