تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
وكان يخصّه بتكريم لا يخصّ به أحدا من أبنائه ، وكان يتفرّس له بمستقبل عظيم فيقول : واللّه إنّ له لشأنا . ثمّ توفّي جدّه وهو ابن ثماني سنين ، فكفله عمّه شقيق أبيه « أبو طالب » فضمّه إليه عملا بوصيّة أبيه عبد المطّلب . وألقى اللّه حبّه في قلب عمّه أبي طالب ، حتّى كان يحبّه أكثر من ولده ، وكان لا ينام إلّا إلى جنبه ، وكان يخصّه بالطّعام دون بنيه ، وكان هذا من مظاهر المنّة الرّبّانيّة الأولى عليه . *
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
( 7 ) : ضالّا : اسم « فاعل » من فعل « ضلّ » وهذا الفعل يستعمل بمعنى : « ضاع ، وغاب ، وخفي » ويستعمل متعدّيا بنفسه ، فتقول : ضللت الطّريق ، إذا بحثت عنه ، فاشتبهت عليك السّبل ، إمّا لأنّك لم تكن تعرفه ، وإمّا لأنّك نسيته . ويستعمل متعدّيا بحرف الجرّ « عن » فتقول : ضللت عن الطريق ، وضلّت عنّي دراهمي . والمناسب لحال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من هذه المعاني ، هو المعنى الّذي يدلّ على سابق جهله بطريق الهداية ، وبحثه عنه ، واشتباه السّبل عليه ، لكن كانت تتابعه العناية الرّبّانيّة بالهداية دون إبطاء ، بدليل قول اللّه له : ( فهدى ) أي : فهداك ، إذ دلّ العطف بالفاء على أنّ هداية اللّه له كانت تتداركه دون تراخ زمنيّ ، فالفاء تدلّ على التّرتيب مع التعقيب . وهكذا كان واقع حال سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلا إشكال يقتضي صرف لفظ « ضالّا » إلى معاني ذكرها بعض المفسّرين . ومعلوم أنّه ولد خالي الذّهن من المعارف والعلوم ، وأنّ اللّه كان يفتح له أبوابها ، ويرقّيه صاعدا في معارجها داوما ، ويحيطه بحمايته وحفظه ، حتّى يسلك مهديّا على صراط الحقّ والخير والكمال .