فالمسكنة : هي ما يبدو من ظواهر وأمارات دالّات على الفقر والحاجة .
وربّما تكون هذه الظواهر مصطنعة وذات دلالة كاذبة ، وبهذا يظهر الفرق بين الفقير والمسكين كما حقّقته في كتاب « قواعد التدبر الأمثل » .
والمراد من المسكين جنس المساكين ، وهم الفقراء الذين تدلّ ظواهر أحوالهم على فقرهم ، وهذه الظواهر تستعطف ذوي القلوب التي تشعر بالرحمة نحو ذوي الحاجات والضرورات .
أي : ولا تقومون بواجبكم الاجتماعي نحو ذوي الضرورات والحاجات ، ولا تثير مشاعر قلوبكم رحمة بهم ، فلا تنهضون متعاونين مع القادرين ، فيحضّ بعضكم بعضا لسدّ حاجات ذوي الحاجات والضرورات ، حتّى الضرورة إلى الطعام الذي تتوقّف عليه الحياة .
*
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا
( 19 ) :
استعير فعل الأكل للدلالة على معنى الحيازة والامتلاك ، لأنّ الأكل أكثر الأعمال الدّالّة على الامتلاك والانتفاع والاستهلاك .
التّراث : ما يورث ممّا كان للميّت من مال تركه ، أو مجد أو غير ذلك من أمور مادّيّة أو معنويّة ، ويقال فيه : الميراث ، والإراث ، والإرث .
اللّمّ : الجمع المستغرق ، يقال لغة : لمّ الشيء يلمّه لمّا ، إذا جمعه جمعا شديدا . وجاء وصف « أكلا » بالمصدر « لمّا » للدلالة على زيادة الشّره في حيازة الميراث وامتلاكه . أي : تأكلون التراث بشره ، جامعين لأنفسكم منه صغائره وحذافيره .
وهذا أمر مشاهد عند معظم الوارثين .
هذه الآية تدلّ على أنّ الناس بوجه عامّ ، لديهم شره شديد لامتلاك الأموال دون بذل جهد ، أو عمل مكافئ ، رغبة في تحصيل الثروات والاستكثار منها دون كسب ذاتيّ ، ونموذجه الظاهر للجميع أكل الميراث أكلا لمّا جامعا كلّ صغير وكبير فيه .