والّذين خرجوا إلى الفضاء ، وتحرّروا من جاذبيّة الأرض ، أحسّوا بحقيقة هذا السّبح الخالي من كلّ العوارض والجاذبيّات إلّا ما هو من داخل ذواتهم .
وقد اختار اللّه عزّ وجلّ لذكره بأسمائه وصفاته التّسبيح المشتقّ من السّبح الذي يحمل هذا المعنى ، ليكون الذّكر المطلوب متضمّنا معنى سبح النّفس والقلب والفكر في أبعاد غير مدركة النّهاية ، من عظيم صفات اللّه وأسمائه الحسنى .
واجتماع الفكر والنّفس والقلب وسبحها معا في ذكر اللّه ، إنّما يكون حين يستطيع الذّاكر صرف كلّ الشّواغل عنه ، فلا تجذبه أو تدفعه من نفسه مطالب خاصّة بها ، ولا تجذبه أو تدفعه من قلبه عواطف أو انفعالات من دون ما هو فيه من سبح بذكر اللّه ، ولا تجذبه أو تدفعه أفكار خارجة عمّا هو فيه من سبح بذكر اللّه جلّ جلاله .
عندئذ يكون هذا التسبيح هو جوهر العبادة للّه عزّ وجلّ وروحها ، لما فيه من الحضور الكامل مع اللّه ، الخالي من الصّوارف والعوائق والمنغصّات .
* * *
التسبيح دواء نافع للنفوس والأعصاب :
ويكون عندئذ هذا التسبيح أنفع دواء للنفس وللجملة العصبيّة في الإنسان ، إذ يمنحه الهدوء التّامّ والسّكينة والطّمأنينة والرّاحة . فبالتّسبيح يفرّغ المسبّح كلّ الشّحنات الضّاغطة على فكره ونفسه وقلبه ، وبتفريغها يعود إلى سوائه ، فتعمل قواه الداخلية أعمالها الطبيعيّة النّافعة ضمن أنظمتها الرّبّانيّة ، دون خلل آت من حركات النّفس المضنية ، أو حركات القلب وانفعالاته وعواطفه المرهقة للجملة العصبيّة ، أو حركات الفكر المثيرة للقلب والنّفس