فمن آمن بهذه الحقيقة ، ثمّ آثر العمل والكدح للحصول على لذّات الحياة الدّنيا ، وفضّلها على الآخرة ، تأثّرا بنزعات شهواته وأهوائه للاستمتاع بلذّات العاجلة ، فإنّه يعلن بإيثاره هذا عن قلّة عقله ، وضعف إرادته .
وقد جاء في بيانات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيان الفرق الكبير الّذي لا يدركه التصوّر بين نعيم الجنّة ، ومتاع الحياة الدنيا .
روى مسلم بسنده عن المستورد بن شدّاد ، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« ما الدّنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ ، فلينظر بم يرجع » .
وروى مسلم عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة ، فيصبغ في النّار صبغة ( أي : يغمس غمسة ) ثمّ يقال : يا ابن آدم هل رأيت خيرا قطّ ؟ هل مرّ بك نعيم قطّ ؟
فيقول : لا ، واللّه يا ربّ .
ويؤتى بأشدّ النّاس بؤسا في الدّنيا من أهل الجنّة ، فيصبغ صبغة في الجنّة ، فيقال له : يا ابن آدم ، هل رأيت بؤسا قطّ ؟ هل مرّ بك شدّة قطّ ؟
فيقول : لا واللّه ما مرّ بي بؤس قطّ ، ولا رأيت شدّة قطّ » .
من أدرك هذه الحقيقة وآمن بها ، وكان ذا عقل ورشد ، لم يؤثر متاع الحياة الدّنيا ، بل آثر العمل للآخرة كادّا كادحا ، رجاء الظفر بنعيم الجنة ، ونيل الفلاح الأكبر يوم الدّين . وآثر أن يتتبّع مراضي اللّه أين كانت ، مهما بذل فيها من جهد وضحّى من أجلها بمحابّه من الحياة ، وتحمّل في سبيلها من مكاره .
* قول اللّه عزّ وجل :
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
( 19 ) .