تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
وفق تغيّرات أحوالهم ، واستعداداتهم ، وليدلّ بهما جميعا على أنّه يختبر إيمان عباده بما ينزّل عليهم ، ويختبر طاعتهم لأوامره ونواهيه مهما بدّل فيها وغيّر ، وليعلّم أولي الأمر منهم أن ينسخوا قراراتهم وأوامرهم ونواهيهم إذا رأوا أنّ المصلحة تقتضي نسخها ، فالرّبّ جلّ جلاله قد فعل ذلك في كتابه المنزّل . وكلّ هذا الموضوع يتعلّق بالنسيان الكلّيّ ، أمّا النسيان العارض المؤقت الذي يتبعه استذكار ، فقد يقع من الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الأحوال النادرة بمقتضى بشريّته . قوله تعالى :
. . . إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى .
الجهر : العلانية ، وهو مصدر « جهر » يقال لغة : جهر بالكلام إذا أعلنه ، والمراد بالجهر ، المجهور به ، أي : المعلن ، بدليل مقابلته بما يخفى في قوله تعالى :
وَما يَخْفى
أي : وما يخفى على المخلوقات ، أمّا اللّه عزّ وجلّ فلا شيء يخفى عليه ، إنّه سبحانه وتعالى يعلمه علما تامّا ظاهرة وباطنه . ونلاحظ أنّ في قوله تعالى :
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
إشارة إلى أنّ الذّاكرة في الدماغ جهاز خفيّ لا يعلم الناس حقيقته ، فتثبيت المحفوظات فيها ، ومسحها منها ، من الأمور الخفيّة على الناس ، ويقابل هذا المخفيّ المجهور به من القول ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ يعلم الجهر وما يخفى ، فهو سبحانه بعلمه لا يخفى عليه شيء ، وهو بقدرته على كلّ شيء يثبت ما يشاء في ذاكرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم مهما كان كثيرا وصعبا ، ويمسح منها ما يشاء مسحه مهما كان قليلا وسهلا . ولتثبيت المحفوظات النّصيّة في الذاكرة يمدّ اللّه رسوله بقوّة خاصّة يجعله بها قادرا على أن يحفظ فلا ينسى .