تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
قول اللّه عزّ وجل :
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ( 4 ) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
( 5 ) . المرعى : ما ترعاه الماشية من نبات الأرض . وفي التّنبيه على إخراج المرعى نباتا من الأرض تقديم مثل من الأمثلة الكونية على كون اللّه عزّ وجلّ خلق فسوّى وقدّر فهدى . فظاهرة إخراج النبات من الأرض تدلّ على جملة من صفات اللّه الداخلة تحت كونه ربّ العالمين ، ومنها كونه خالقا فمسوّيّا ، ومقدّرا فهاديا . إنّه أخرج نباتات الأرض ، وفيها ما يصلح مرعى لآكلات النبات من الحيوانات ، وهدى هذه الآكلات لأكل ما ينفعها ويغذّيها أو يداويها ، واجتناب ما يضرّها أو يؤذيها من النباتات السّامّة . وفي هذا التنبيه امتنان على الناس إذ هيّأ اللّه لهم أنعاما ودوابّ ، وسخّرها لمنافعهم المختلفة . غثاء : الغثاء البالي من ورق الشجر . قال الزجاج : فجعله غثاء : أي : جفّفه حتّى صيّره هشيما جافا كالغثاء الذي تراه فوق السّيل . أحوى : أي : خالط لونه سواد بسبب جفافه وتحوّله بعد خضرته ونضرته إلى الغثائيّة ، والأحوى : الأسود . وفي هذا تنبيه على نظام اللّه في الخلق ، سواء أكان في الأحياء أم في النباتات ، أم في غيرهما ، إنّه نظام صعود متدرّج إلى مستوى كمال المخلوق ، ثمّ هبوط وانحطاط إلى أرذل العمر في الأحياء ، وإلى شبيه ذلك في النباتات حتى دركة الغثاء ، وإلى شبيه ذلك في غيرهما من الأشياء . إنّ حركة النبات منذ أوّل نشأته ، حتّى يخرج إلى سطح الأرض مرعى ، وحتّى يستوي على سوقه ، وحتّى ييبس ويكون حطاما ، وحتّى يسودّ