تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
المبلّغون هم كلّ العالمين المكلفين الموضوعين موضع الامتحان ، والمنتفعون منه من شاء من العالمين المبلّغين أن يستقيم على صراط الحقّ والهدى ، فإيمانه وهدايته من ثمرات ما أعطاه ربّه من مشيئة حرّة ليبلوه ، أي : ليمتحنه في ظروف هذه الحياة الدنيا . هذا ما نفهمه من قول اللّه عزّ وجلّ :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
( 28 ) . وجاء بيان هذه الفكرة بأسلوب بدل الإضراب من قوله تعالى : ( للعالمين ) وبدل الإضراب بدل يقصد به البدل والمبدل منه معا ، والإبداع هنا أنّ المبدل منه جاء على معنى ، وأنّ البدل جاء على معنى آخر ، مع ما في الخطاب بعد الحديث عن العالمين بالغائب ، من التفات بديع ذي هدف فكريّ ، وهو تحميل عموم المخاطبين مسؤوليّاتهم تجاه هذا الذّكر المنزّل من ربّ العالمين . وقد أثبت قول اللّه عزّ وجلّ :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
( 28 ) أنّ المخاطبين المكلفين يملكون مشيئة حرّة يستطيعون بها أن يشاءوا الاستقامة على صراط اللّه ، وأن يشاءوا عدم الاستقامة ، وذلك إذ خلق اللّه فيهم بحكمته الجليلة جهاز المشيئة الحرّة ، التي يستطيعون أن يشاءوا بها طريق الخير ، أو طريق الشّرّ ، وأن يشاءوا بها الإيمان أو الكفر ، والطاعة أو المعصية . ويرد على كلمة [ الذّكر ] في النّص سؤال ، وهو : لماذا وصف اللّه القرآن بأنّه ذكر ؟ وأقول : الذكر في اللّغة حفظ الشيء في الذاكرة ، وإجراؤه على اللّسان ، وتذكّر المحفوظ عند استدعائه ، والتذكير بما كان معلوما ثم نسي . فهل وصف اللّه القرآن بأنّه ذكر لمن شاء أن يستقيم من العالمين ، لأنّه يجب أن يحفظ فلا ينسى ، وبهذا يكون واعظا دائما لحافظه في ذاكرته