الحكيم القدير ، وهؤلاء العلماء ومن يطّلعون على مقرّراتهم العلميّة يناسب حالهم أن يقسم اللّه لهم بهذه الآيات من آياته في كونه ، ليؤكّد لهم صدق الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصدق بلاغاته عن ربّه ، ومثل هذا الواقع الذي سيحدث حتما يقتضي القسم بها .
ولمّا اجتمع الاقتضاءان : اقتضاء القسم ، واقتضاء عدم القسم ، كان الحلّ البديع أن يأتي النّصّ بعبارة [ لا أقسم ] .
هكذا ينبغي أن نفهم كلّ ما جاء في القرآن من عبارة [ لا أقسم ] وقد استقرأت الأقسام القرآنيّة فانتهيت إلى إدراك هذه الحكمة البيانيّة البديعة في القرآن .
فلست أعتبر كلمة « لا » زائدة كما ذكر بعض المفسّرين ، ولا ما ذكروه من تأويلات أخرى متكلّفة ، وقد هداني اللّه بهذا الاستقراء إلى استخراج قاعدة للأقسام المنفيّة في القرآن دوّنتها في كتابي : « قواعد التدبّر الأمثل لكتاب اللّه عزّ وجل » وهي القاعدة « العشرون » منه ، والحمد للّه على فتحه وتوفيقه .
شرح الآيات الكونية الثلاث :
أوّلا : آية الخنّس الجواري الكنّس ، التي دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ( 15 ) الْجَوارِ الْكُنَّسِ
( 16 ) .
الخنّس : وصف لموصوف محذوف هي النجوم ، وهو جمع « خانس » أو « خانسة » والخنوس هو الانقباض والاستخفاء ، يقال لغة : خنس يخنس ويخنس خنوسا إذا انقبض وتأخّر ، وقيل : إذا رجع .
وجاء في كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّ الشيطان يوسوس للعبد ، فإذا ذكر اللّه خنس ، أي : انقبض عنه وتأخّر .