بين درسي السّورة ، أي : فتفريعا على مقتضيات الحكمة من إرسال رسول يبلّغ عن اللّه ، وإنزال كتاب من عند اللّه عليه يتضمّن مطلوبات اللّه من عباده الّذين وضعهم في الحياة الدنيا موضع الامتحان : أأكّد لكم ببعض آياتي في كوني العظيم أنّي أرسلت محمّدا إليكم رسولا ، يبلّغ عنّي ما أوحي به إليه ، وأنزل عليه كتابا من عندي فيه بيان مواد امتحانكم في ظروف الحياة الدنيا الّتي أعددتها لذلك .
وجاء فعل : ( أقسم ) منفيّا بحرف النفي [ لا ] مراعاة لاقتضاءين ، أحدهما يقتضي القسم بهذه الآيات الكونية ، والآخر لا يقتضي القسم بها ، لأنّ المخاطبين إبّان التنزيل في معظمهم لا يدركون عظمتها ، فلا فائدة ترجى لديهم من القسم بها .
فاستدعت مراعاة ما يقتضي القسم بها ذكر فعل القسم ، وذكر الآيات الكونيّة الّتي اختار اللّه أن يقسم بها في هذه السورة .
واستدعت مراعاة ما يقتضي أنّه لا فائدة ترجى من القسم بها ، نفي فعل القسم بحرف النفي « لا » .
فكان هذا الإجراء من المبتكرات البيانيّة القرآنيّة البديعة .
إنّ معظم المخاطبين العرب إبّان التنزيل لا يدركون عظمة هذه الآيات الكونية : « النجوم الخنّس - الجواري الكنّس - اللّيل إذا عسعس - الصّبح إذا تنفّس » وهذا الواقع يجعل القسم بهذه الآيات قسما غير ذي فائدة ، فهو يقتضي عدم القسم بها ، بالنسبة إليهم .
لكن سيأتي زمان يتّسع فيه علم الفلك ، ومعرفة كثير من عظمة الظواهر الكونيّة الدّالّة على صفات خالقها ومتقنها ، ويدرك فيه علماء الكونيات عظمة هذه الآيات الكونية الدالّات على الخالق الرّبّ العليم
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 419
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤١٩