الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 213 ) .
أي : كان النّاس أمّة واحدة على الإيمان الّذي ورثوه عن آدم عليه السّلام ، ثم اختلفوا إذ دخل إليهم الشّرك والكفر فتفرّقوا فرقا على سبل شتّى ، فاحتاجوا إلى نبيّين مرسلين مبشرين ومنذرين ، فبعث اللّه لهم بحكمته الرّسل ، وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ، ليبيّن لهم أصول الإيمان وأحكام الدّين ، وليكون لمن شاء منهم أن يتحاكموا إليه مرجعا يحكم بينهم فيما اختلفوا ويختلفون فيه .
ثمّ اختلف فيه الّذين أوتوه بالتحريف والتبديل والتأويلات الباطلات ، من بعد ما جاءتهم آيات الكتاب البيّنات ، وكان هذا بغيا بينهم ، إذ وجد فيهم منافقون يتظاهرون بقبول نصوص الكتاب الرّبّانيّ والعمل بأحكامه ، ويتلاعبون فيها بالتأويل الباطل وبالتحريف .
ثمّ بعث اللّه عزّ وجلّ خاتم النبيّين والمرسلين محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنزل عليه القرآن خاتمة كتب السّماء ، بيّنا واضح الدلالة على أصول الدّين ، فهدى اللّه بتوفيقه ومعونته وإذنه الذين آمنوا بالرّسول وبما أنزل اللّه عليه إلى الاستمساك بالحقّ الذي جاء في القرآن .
فأحقّ أئمّة الاجتهاد منهم المتّقون الأبرار الحقّ ، وأبطلوا الباطل ، وأوضحوا للناس الصراط المستقيم الذي هو صراط اللّه في العقائد والأخلاق والآداب وأحكام السّلوك ، بالأدلّة الجليّة ، بحثا واستنباطا من نصوص الكتاب المجيد ، وبيانات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان هذا بمعونة من اللّه وتوفيق لهم ، إذ علم أنّهم مؤمنون مخلصون صادقون في تحرّي الوصول إلى الحقّ ، دون بغي ولا زيغ عنه ، واللّه يهدي بمقتضى علمه وحكمته من يشاء