المسجد الحرام وكعبته في مكّة ، أبان جلّ جلاله أنّ السّفهاء من الناس وهم اليهود يومئذ في المدينة سيثيرون اعتراضا على هذا الإجراء الرّبّاني يقولون فيه :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
لفتنة المسلمين عن دينهم ، موهمين أنّ ذات القبلة هي من أصول الدّين ، لا من أحكام التكاليف التعبّديّة الّتي يقصد بها طاعة اللّه في أوامره ونواهيه مهما غيّر فيها وبدّل ، مع تحقيق حكم ومصالح للعابدين فهذه الأحكام التعبّديّة قابلة للتغيير والنسخ إلى مثلها أو خير منها ، كشأن أوامر الضابط العسكريّ لجنده إذ يقول لهم : « تقدّموا - تأخّروا - سيروا يمينا - سيروا شمالا - تراجعوا إلى الوراء - هيّ إلى مهاجعكم - هيّ إلى الطعام ، انصرفوا إلى الراحة - اصعدوا - إنزلوا - وهكذا » .
فلا يقال للضابط العسكريّ : لم تغيّر في أوامرك ونواهيك ؟ ولم تأمر بشيء ثمّ تأمر بضدّه ؟ لأنّ كلّ إنسان ذي فكر يدرك أنّ الغرض التدريب على الطاعة ، أو امتحان الطاعة .
وفي هذا الحديث ألقى اليهود بين المسلمين لفتنتهم عن دينهم مقولة مفادها : ما حال المؤمنين بمحمّد الذين ماتوا وقد كانوا يتوجّهون في صلواتهم لبيت المقدس ؟
فقال بعض المسلمين للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : يا رسول اللّه ، فكيف بالذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس ؟
فأنزل اللّه عزّ وجلّ في الإجابة على هذه المقولة قوله في سورة ( البقرة ) أيضا :
. . وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 143 ) .