ثالثا : تدبّر ما تحت العنوان الثالث من الكليّات الكبرى للسورة :
قال اللّه عزّ وجلّ :
*
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( 6 ) .
تمهيد :
إنّ عبادة اللّه وحده والاستعانة به وحده قياما بحقّ ربوبيّته وحقّ إلهيّته ، كما جاء في دلالة الآية ( 5 )
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) تستلزم عقلا أن يسعى العابد لربّه إلى معرفة الأعمال النفسيّة والجسديّة الّتي ترضي ربّه في عبادته له ، حتّى لا يعمل عملا يسخطه وهو يحسب أنّه يحسن صنعا .
ومعظم أعمال العبادة بعد الإيمان باللّه والإسلام له لا يستطيع الرّاغب فيها أن يتوصّل إلى معرفتها عن طريق عقله وتصوّراته لما يرضي ربّه منه .
فكان لا بدّ له من أن يدعو ربّه سائلا أن يهديه إليها ، بالبيان وبالتوفيق إلى أدائها ، لكنّه يدرك ببصيرته الإيمانية أنّ برنامج هذه الأعمال لا يكون إلّا على صراط مستقيم جليّ واضح لا عوج فيه ولا عثرات ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ عليم حكيم لا يرضيه من عباده في عبادتهم له إلّا ما فيه خيرهم وسعادتهم في عاجل أمرهم وآجله ، وظاهر أنّ تحقيق الخير والسعادة العاجلة والآجلة لا يكون إلّا بسلوك الصراط المستقيم الواضح الجليّ المضيء الذي لا شرّ فيه ولا ظلمات .
وبما أنّ العباد عاجزون عن تحديد هذا الصراط بكلّ عناصره ، كان لا بدّ أن يسألوا ربّهم أن يهديهم إليه ، بما ينزّل لهدايتهم معلّما من شرائع وأحكام ونصائح ووصايا وبيانات ، وحكمة اللّه جلّ جلاله في هذا التنزيل اقتضت أن ينزّلها على رسول مصطفى لحمل رسالات اللّه لعباده .