ثمّ إنّ الاستطاعة الّتي مكّن اللّه عباده من توجيهها للمسخّرات في الكون ، إنّما تكون بإمداد اللّه لهم بها ، في حركة متجدّدة مع تتابع الزّمن على وفق مشيئته ، كالطاقة الكهربائية الّتي تتوقّف آثارها متى انقطع الإمداد بها .
فالعبد لا يستطيع بنفسه أن يقوم بأيّ عمل ظاهر أو باطن إلّا إذا أمدّه اللّه عزّ وجلّ بطاقة العمل وأعانه على القيام به .
ولمّا كان واقع حال العبد المخلوق كذلك كان عليه أن يعلن لربّه حاجته الدائمة إلى معونته وحده ، وأن يعلن أنّه لا يستعين في أيّ أمر من أموره استعانة حقيقيّة إلّا به ، مؤمنا بهذه الحقيقة من الحقائق الّتي يجب على العباد أن يؤمنوا بها ، ومتبرّئا من حوله وقوّته ، ومتبرّئا من معونة أيّة قوّة غيبيّة في الوجود سوى ربّه جلّ جلاله ، فيخاطبه قائلا :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
أي : ولا نستعين إلّا بك ، والسين في نستعين للطلب ، أي :
نطلب الاستعانة بك .
وفي التعبير بنون الجماعة في فعلي : ( نعبد ) ونستعين ) يلاحظ العبد أنّه واحد من الأمّة الرّبّانيّة المؤمنة العابدة لربّها ، لا تشرك بعبادته أحدا ، فهو يقول معها في مخاطبة اللّه :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) وفي هذا تعميق لمعنى الجماعة الرّبّانيّة الواحدة ، في قلب كلّ مؤمن مسلم للّه جلّ جلاله ، منذ نشأة الخليقة وإلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، وترث هذه الأمّة جنّات النعيم .
وفي قول العبد لربّه في صلاته وغيرها :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) مع ملاحظته لمضمون هذا القول وإيمانه به ، يتخلّص من الشّرك كلّه ، من الشّرك في ربوبيّة اللّه ، ومن الشّرك في إلهيّته ، ومن الشّرك في عبادة غيره معه .