فللّه عزّ وجلّ الرّبوبيّة المستمرّة الّتي لا تنقطع ، والمؤثرة بكلّ شيء في الكون ، من غيبيّ ومشهود ، مادّيّ ومعنويّ .
فلا تأخذه سبحانه سنة ولا نوم ، ولا يخرج عن علمه وهيمنته وسلطانه وكلّ عناصر ربوبيته صغير في الوجود مهما صغر ، وكبير مهما عظم وكبر .
وفي عبارة
رَبِّ الْعالَمِينَ
اعتراف وإعلان ضمني عن طائفة من صفات اللّه وأسمائه الحسنى ، ذوات العلاقة بالعالمين ذوي العلم والعقل .
ويلزم من كونه ربّهم وهو العليم الحكيم الذي يفعل ما يشاء ويختار ، أن يكون قد خلقهم بصفاتهم الّتي هم عليها ، ليبلوهم في ظروف الحياة الدنيا ، ثمّ ليجازيهم بعد رحلة امتحانهم في حياة أخرى تكون في يوم آخر غير يوم الحياة الأولى ، وهذا اليوم الآخر من المناسب أن يطلق عليه عنوان « يوم الدّين » أي : يوم الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء .
ثم إنّ الابتلاء يقتضي أن يرحم اللّه الممتحنين بإنزال موادّ امتحانهم ، وبعث الرّسل لهم ، وإنزال الكتب لهدايتهم ، ومعاملتهم بالتيسير ورفع الحرج ، والعفو والغفران ،
فجاء قول اللّه عزّ وجلّ :
*
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .
الرّحمن : صفة مشبّهة مأخوذة من الرّحمة ، وهي مبنيّة على وزن « فعلان » للمبالغة ، أي : لإرادة التعبير عن عظيم رحمته البالغة الغاية .
قالوا : وهذا الاسم من أسماء اللّه الحسنى خاصّ باللّه تعالى ، فلا يستعمل في وصف غيره ، فأشبه أن يكون علما .
ومعنى الرحمة في المخلوق رقّة في القلب تدفع الرّاحم إلى الإحسان والإنعام والمشاركة الوجدانية لذي حاجة أو ألم استثارها .