واجتمعوا بعد أن فرّقوا بين كلّ بهيمة وولدها ، وجأروا إلى اللّه عزّ وجلّ باكين متضرّعين ، ليصرف اللّه عنهم العذاب ، فتاب اللّه عليهم ، وصرف عنهم العذاب .
أمّا يونس عليه السّلام فإنّه إذ ذهب مغاضبا كان يظنّ أنّ اللّه عزّ وجلّ لن يضيّق عليه في المحاسبة ، إذا انصرف عن قومه قبل أن يتلقّى الإذن من اللّه بهذا الانصراف .
وكان في طريقه إلى أهله بحر ، وكان لا بدّ له من أن يركب فلكا إليهم ، فركب فلكا مع قوم كعادة المسافرين في البحر ، فلجّ البحر بهم واضطرب وماج ، وثقل بمن فيه ، حتّى كادوا يغرقون ، ولم يجدوا وسيلة إلّا أن يخفّفوا عن الفلك بإلقاء أحدهم في الماء .
فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس عليه السّلام في ثلاث محاولات ، فقذف بنفسه في البحر فالتقمه حوت أوحى اللّه إليه أن يلتقمه ، فنادى في الظلمات :
أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
وحمله الحوت في فمه سجينا ، وسار به بأمر اللّه إلى الشاطئ ، ولمّا بلغ الشاطئ لفظه ، ونبذه بالعراء وهو سقيم .
قال تعالى في هذا الدرس :
إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ .
مكظوم : أي : محبوس في فم الحوت لا يستطيع الخروج منه ، وقد يكون مغتاظا من نفسه إذ ترك قومه دون إذن من ربّه . يقال لغة : كظم الرّجل نفسه ، إذا حبسه في صدره ، فمعنى الكظم الحبس .
قال تعالى :
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
( 49 ) .
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ :
أي : لولا أن لحقته نعمة من ربّه ، فأدركته بالإنقاذ قبل أن يهلك في فم الحوت .