أمّا رغبة المكذّبين في أن يدهن الرّسول لهم ، أي : أن يظهر لهم خلاف ما يبطن ، وأن يقابلوه بالإدهان منافقين ، فقد دلّت عليها ظواهر رواها كتاب السّيرة .
وقمّة المداهنة أن يتظاهر المشركون بعبادة ما يعبد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مدّة من الزّمن ، على أن يتظاهر هو بعبادة ما يعبدون مدّة من الزمن ، فتتمّ المصالحة التوفيقيّة على ذلك ، ويكون الرّسول قد كفّ عن مهاجمة دينهم وعباداتهم الشركيّة ، ويكفّون هم عن مهاجمة دينه واضطهاد الذين آمنوا به واتّبعوه .
فمن روايات عروض المداهنة ما يلي :
( 1 ) روى الطبريّ بسنده عن ابن عباس ، أنّ قريشا بعد أن يئسوا من استجابة الرسول لعروض الإغراء الّتي عرضوها عليه ، قالوا له : فإنّا نعرض عليك خصلة واحدة ، فهي لك ولنا فيها صلاح .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما هي ؟
قالوا : تعبد آلهتنا سنة ، اللّات والعزّى ، ونعبد إلهك سنة .
قال : « حتّى أنظر ما يأتي من عند ربّي » .
فجاء الوحي من اللّوح المحفوظ :
[ سورة الكافرون ( 109 ) : الآيات 1 إلى 6 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 )
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( 6 )
سورة ( الكافرون / 109 مصحف / 18 نزول ) .
وأنزل اللّه قوله في سورة ( الزّمر / 39 مصحف / 59 نزول ) :
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 64 إلى 66 ]
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 )
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 224
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٢٤