تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ ( 14 ) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 15 ) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
( 16 ) . في هذه الآيات تخصيص لطائفة من المكذّبين بتفصيل بعض ظواهر صفاتهم ، باعتبارها علامات دالّات عليهم ، بعد الآيتين السّابقتين اللّتين اشتملتا على التحذير من طاعة كلّ المكذبين برسالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفائدة هذا التخصيص المبالغة في التحذير من هذه الطائفة ، إذ لديها القدرة على المخادعة والمداهنة ، وستر هوّياتها بحلف الأيمان الكواذب ، والطّعن من الخلف بالهمز واللّمز والنميمة ، وهي تمنح من وجوهها البشر والبسمات ، وتمنح من ألسنتها حلو العبارات . هذه الطّائفة الّتي تعمل لصدّ الداعي إلى اللّه عن دعوته ، والوقوف في طريق مسيرته الدعويّة ، تملك القدرة على تقديم نصائحها برفق ، مقرونة بالأيمان المغلّظة ، مع التظاهر بالودّ والحرص على مصلحة من توجّه له نصائحها ، وتملك القدرة مع ذلك وفي الوقت نفسه على الهمز ضدّ الداعي إلى اللّه لإشعار غير المؤمنين بأنّها تكيده بنصائحها وبأيمانها المغلّظة ، فإذا فارقت مجلس الداعي إلى سبيل ربّه ، انطلق كلّ واحد منها مشّاء بالنّميمة كالحيّة الرّقطاء ، ليفسد قلوب النّاس تجاه الداعي ، وليقطّعهم عنه ، ويصدّهم عن صراط اللّه المستقيم ، ويظلّ حريصا على أن يمنع انتشار الخير والهدى ، لأنّ انتشار الخير والهدى في الناس يضرّ بمصالحه ، ويحوّل عنه المجاري التي يعبّ منها ثراءه ومكانته الاجتماعية وسلطانه ومجده ، إذ يبصر الناس حقيقة جرائمه الّتي كان يسترها بمكره وكيده ، بتأثير انتشار الخير ، فهو منّاع للخير بكلّ وسيلة مكر وكيد تتاح له . فإذا ألجاه الأمر إلى استخدام سلطته العدوانيّة ، إذ لم تجده وسائل المكر ، كان معتديا مرتكبا لأقبح الآثام وأشنعها .