ولعلّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم اقتبس من أدب هذه الملاطفة الجادّة في النداء ، فنادى عليّا رضي اللّه عنه بقوله له : « يا أبا تراب » حين طلبه ، فوجده في المسجد نائما متوسّدا التّراب .
وقد جاء بعد
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
( 1 ) قوله تعالى :
قُمْ فَأَنْذِرْ
( 2 ) .
وجاء بعد
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
( 1 ) قوله تعالى :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
( 2 ) ، إشعارا بأنّ هذه الرّسالة الرّبّانيّة رسالة جدّ واجتهاد ونهوض إلى العمل في الدّعوة وفي العبادات الخاصّة ، وقد اصطفاك اللّه لها واجتبى المحسنين والأبرار من أمّتك ليقوموا بوظائفها من بعدك ، فلا يليق بمن يصطفى لها التّدثّر والتزمّل بالثياب ، والراحة والنوم إلّا بمقدار الحاجة الشديدة ، أمّا القعود والإخلاد إلى الراحة ، والتّدثّر والتّزمّل بثياب الاضطجاع والنوم ، فهو شأن أهل الكسل ، لا شأن من يجتبون للعمل الجادّ ، والكدح المتواصل ، وحمل المهمّات الجسام ، والراحة لا تؤخذ فيها إلّا بمقدار الحاجة فقط .
[ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 2 إلى 4 ]
قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ( 4 )
*
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
( 2 ) .
قم : فعل أمر من قام يقوم قوما وقياما . والقيام هو ضدّ الجلوس ، ويأتي القيام بمعنى العزم ، يقال لغة : قام يفعل كذا ، أي : عزم على فعله .
وقام بالأمر ، أي : فعله . وقام فلان اللّيل ، أي : بقي صاحيا فيه لم ينم . ويكنّى عن عبادة اللّه فيه بعبارة : « قام اللّيل » وخصّت هذه العبادة غالبا بعبادة الصّلاة في اللّيل ، ولهذا فهم المفسّرون من قوله تعالى :
قُمِ اللَّيْلَ
قم للصّلاة في اللّيل . ودلّ الاستثناء بقوله تعالى :
إِلَّا قَلِيلًا
على أنّ المراد بأداة التعريف « أل » في : « اللّيل » الاستغراق ، فهي مثل لفظ « كلّ » إذ الاستثناء دليل على أنّ المستثنى منه عامّ مستغرق كلّ أفراده أو أجزائه .