موضع الابتلاء ، فمن شاء باختياره الحرّ أن يعيه ويتفهّمه ويضعه في ذاكرته فهو ممكّن من ذلك بقضاء اللّه وقدره ، لأنّ اللّه منحه الإرادة الحرّة ، وسخّر له الأدوات الّتي يذكر بها ما يشاء أن يذكره ، فمن شاء ذكره ، لا تقف دون تحقيق مشيئته قوّة قاهرة ، صادّة ولا صارفة ولا معوّقة ولا ملغية ولا سالبة .
ولئلّا يتوهّم متوهّم أنّ مشيئة الناس الحرّة موجودة فيهم ذاتيّا دون خلق خالق وتمكينه وتسخيره ، قال اللّه عزّ وجلّ في الآية الأخيرة :
*
وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . . .
:
أي : وما يذكرون بمشيئتهم الحرّة في أيّة حال من الأحوال إلّا في حالة مشيئة اللّه أن يمنحهم القدرة على المشيئة الحرّة ، ويسخّر لهم الأسباب الّتي بها يذكرون ، فجهاز المشيئة الحرّة خلق من خلقه ، والقدرات التي بها يشاءون ويذكرون ويعملون أعمالهم كلّها لا توجد إلّا بخلقه ، والتّمكين من استعمالها يكون منه ، وبإذنه ، وحرّيّتهم مع كلّ ذلك لا تتأثّر بجبر ولا قسر ، لكن من شاء الحقّ والخير والهدى صادقا منحه اللّه توفيقا ومعونة وأوزعه وزاده اندفاعا وسدادا .
ولمّا كان الأمر يتعلّق بابتلاء الناس في ظروف الحياة الدنيا ، والابتلاء يقتضي المحاسبة وفصل القضاء والجزاء ، ومن الجزاء العقاب على السيّئات ، ولمّا كان كلّ بني آدم خطّائين ، ومنهم من يتوب ويستغفر ، ومنهم من يصرّ على معاصيه ويستكبر ، ناسب أن يختم اللّه عزّ وجل السورة بقوله :
*
. . . هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ .
عبارة : فلان أهل لكذا تأتي بمعنى أنّه مستحقّ لكذا ، فالأهل للشيء هو المستحقّ له ، يطلق لفظ « أهل » بالإفراد على الواحد وغيره ، مثل : هما أهل لكذا ، وهم أهل لكذا .
( التقوى ) اسم للاتقاء ، وللتّقى ، تقول لغة : اتّقيت اتّقاء ، وتوقّيت