أمّا أهواؤهم وشهواتهم ورغباتهم من دنياهم فهي نزّاعة إلى مخالفة مقتضياتها ، وهنا تظهر عقدة الامتحان في ظروف الحياة الدنيا .
والرّسالات الرّبّانيّة في أسسها تكشف للناس الحقائق الكونيّة ، والحقائق المغروزة في نفوسهم الّتي فطرهم اللّه عليها ، فهي معلّمة ومذكّرة لهم بما في أعماق نفوسهم ممّا هم مفطورون عليه وغافلون عنه .
فمن تكريم رسالة الإسلام للناس ، وهي رسالة الرّبّ الخالق لهم ، أنّها تقدّم نفسها إليهم على أنّها تذكرة وذكرى ، فهي نصوص منزّلة من لدن الرّبّ الحكيم العليم ، وموضوعة للتلاوة والترتيل بينهم ، حتّى تكون لهم ذكرى وتذكرة متجدّدة ، ينتفع بها من لم يطغه هواه ، فأبصر طريقه ، وأراد سعادة نفسه الحقيقيّة ، ولم يؤثر العاجلة على الآجلة .
ومن تكريم رسالة الإسلام للناس ، وهي رسالة الرّبّ الخالق الرازق المحيي المميت ، الذي بيده ملكوت كلّ شيء ، أنّها تجعلهم أمام دعوتها لهم مخيّرين بين مشيئتين دون إلزام بالإكراه ، ولا سيطرة ولا قهر ، مشيئة القبول والمتابعة ، ومشيئة الرّفض والإدبار ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر .
لكن لكلّ مشيئة من هاتين المشيئتين نتيجة حتمية ، في قانون الخلق الجبريّ ، فمن شاء الرّفض وأبى أن يستجيب لدعوة الحقّ ، فعليه أن يتحمّل عقابا أليما خالدا يوم الدين ، ومن شاء القبول واستجاب وتابع فلينعم سعيدا خالدا في جنّات النعيم يوم الدّين .
إنّ دين اللّه للناس بيان وتذكرة وتخيير ، فمن شاء أن يؤمن ويسلم فليفعل ، ومن شاء أن يكفر ويستكبر فليفعل أيضا ، وعليه أن يتحمّل النتيجة الحتميّة شقاء أبديّا . أمّا من آمن وأصلح فله السعادة الأبديّة .
أفيليق بذي فكر ورأي وعقل تعرض عليه تذكرة من هذا القبيل ، لا إكراه فيها ولا قهر ، أن يعرض أو ينفر من هذا العرض التخييريّ ؟ !
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 146
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٤٦