إنّ أمر المعرضين النافرين لأمر يثير بالغ العجب والاستنكار والازدراء ،
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
( 51 ) .
ما لهم نافرين نفرة حمر وحشيّة خوفا من الأسد أو من جماعة القنّاصة الرّماة ، مع أنّ المعروض عليهم بيان كلاميّ ، يطلب منهم أن يفهموه ويعوه ويضعوه في ذاكراتهم إن شاءوا ، للانتفاع به إذا أرادوا .
إنّ في هذا التشبيه لإبداعا عجيبا ، فالمشبّه به نافرات من الحمر الوحشيّة ، وللحمار في التشبيه معاني الغباء وضعف الإدراك ، لكنّ هذه الحمر أحسن حالا ، فهي تنفر من قسورة ، ومن حقّها أن تنفر منه ، لكنّ النافرين من دعوة الحقّ الرّبّانية نافرون من تذكرة لا يليق بهم أن ينفروا منها ، إنّ هذا لأمر بالغ العجب ، لدى أولي الألباب .
والسبب في انطماس بصيرتهم كبر في نفوسهم انتفخ فغشّى على قوى الإدراك لديهم ، وتشبّثهم بالحسّيّات الذي جعلهم لا يؤمنون بالآخرة ، فلا يخافون عذاب اللّه فيها ، لأنّها من الأمور الغيبيّة غير المحسّة المشهودة .
وأكّد الدّرس أن رسالة القرآن رسالة تذكرة ، معروضة بالتخيير على نفوس ذوات مشيئات حرّة ، قضى اللّه لها أن تكون كذلك ، لابتلائها في ظروف الحياة الدنيا .
وختمت السورة بعبارة تلويح بالترهيب ، والترغيب .
فالترهيب جاء في وصف اللّه عزّ وجل بأنّه هو أهل التقوى .
والترغيب جاء في وصفه بأنه هو أهل المغفرة .
وتمت سورة ( المدثر ) وتمّ تدبّرها بما فتح اللّه به ، فالحمد للّه على ما أولى
* * *