وإذ يتمّ الاتصال بين أهل اليمين والمجرمين وهم في داريهما على الرّغم من المسافات الشاسعات بين الفريقين ، فإنه يجري الحوار بينهما ، وقد جاء التعبير القرآنيّ على شكل حوار جرى فعلا ومضى زمانه ، لتأكيد تحقّق أنّه سيقع في المستقبل حتما ، فالآتي في المستقبل حتما كالواقع فيما مضى ، كلاهما ينطبق عليه أنّه صدق وحقّ .
ويكون الحوار كما يلي :
* قال أصحاب اليمين للمجرمين :
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
( 42 ) ؟ ! أي : ما أدخلكم في دار العذاب « سقر » ؟
السّلوك في الشيء الدخول فيه وعبوره ، ويقال أيضا : سلك الشيء في الشيء إذا أدخله فيه ، وجعله يعبره .
* قال المجرمون وهم في سقر :
لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ( 45 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
( 46 ) .
*
لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ :
أي : لم نكن من المؤمنين الذين يصلّون لربّهم ، وهذا البيان هو بمثابة اعتراف منهم بأنّهم لم يكونوا يعرفون الصّلة باللّه ربّهم ، ولا يؤدّون واجب الخضوع له في قيام بين يديه ، وركوع وسجود له ، ولم يكونوا يدعونه إلّا وهم به مشركون .
وندرك من هذا أنّ الصّلاة للّه عزّ وجلّ ذات أهميّة عظمى في الدين ، إذ أوّل ما يذكره أهل سقر مبيّنين سبب دخولهم فيها أنّهم لم يكونوا من المؤمنين المصلين .
وبالتأمّل ندرك أنّ أوّل تعبير عمليّ عن إيمان المؤمن بربه وإسلامه له أن يكون من المصلّين ، الذين يدعونه لا يشركون به شيئا ، ويعلنون خضوعهم له بالوقوف أذلّاء بين يديه ، والركوع والسجود له .