ودلّ حذف النون من « لم نكن » وهو وجه جائز في العربية ، على أنّهم في منازلهم في سقر يوجزون عباراتهم إيجازا شديدا ، حتّى بحذف حرف لا يؤثّر حذفه على المعنى الذي يريدون التّعبير عنه ، فحال من يكون في العذاب حال ضجر وتذمّر وعدم رغبة في القول إلّا عند مقتض شديد يقتضي منهم أن يطلبوا شيئا أو يجيبوا على سؤال مهمّ .
*
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
( 44 ) .
أي : ويعترفون بأنّهم كانوا في علاقاتهم الاجتماعيّة وواجباتهم الإنسانيّة تجاه الجائعين المساكين أشحّاء بخلاء ، لا تتحرّك قلوبهم نحوهم بعاطفة إنسانيّة ، ولا تندى برحمة .
إنّ حاجة الجائع إلى الطعام من أشدّ حاجات الحياة ، ويشعر بها كلّ إنسان ، فإذا وجد من عنده طعام إنسانا جائعا حقّا ، وهذا الجائع لا يملك ما يسدّ به جوعه وحاجته إلى الطعام ، كمسكين يعلن عن حاجته وجوعه ، ويظهر من حاله فقره وحاجته ، ثمّ لم يسعفه بالإطعام ، فإنّه يكون أبخل النّاس ، لا رحمة في قلبه ، فهو يستحقّ أن يعامل بالمثل فلا يرحمه ربّه يوم الدين .
ومن لا يجد في نفسه دافعا لإطعام المسكين دون مكافأة يرجوها منه ، فإنّه لن يكون لديه دافع لعطاء نافع ينفع به غيره من الناس ابتغاء وجه اللّه ، وطلب مرضاته .
فدلّت هذه العبارة على أنّهم لم يكن منهم خير للنّاس في علاقاتهم الاجتماعية .
واختير الإطعام لأنّه من أشدّ حاجات الناس الضرورية .
واختير الجائع المسكين لأنّه كاشف نفسه ، متعرّض لمن يطعمه ، يستعطف قلوب الرحماء ، وليس هو من الفقراء المتعفّفين الّذين لا يسألون