إذاً فمثلك في دعاء الذين كفروا ، أم ومثل الذين كفروا في دعاءك إياهم
« كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ . . . »
. « 1 »
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ »
« 2 »
فلما لم يؤثر
« يا أَيُّهَا النَّاسُ . . . »
أثره إلّا في الذين آمنوا ، فليكرر له الخطاب تشريفاً بلقب الإيمان ،
« كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ »
وهنا ترْكُه
« حَلالًا »
يؤيّد حِلّ
« حَلالًا »
في آية الناس عن تقيُّد
« مِمَّا فِي الْأَرْضِ »
إلى ضابطة الحل ، مهما زاد قيداً بعد
« طَيِّباتِ »
هو
« ما رَزَقْناكُمْ »
وليس رزق غيرك رزقَك كما ليس رزقُك رزقَ غيرك ، فقد تقيَّدت أصالة الحل بما رزقك اللَّه ، وليس رزقك إلّا ما حصلت عليه من حِلِّه ، أم هو رزق جماعي لا مالكَ له شخصياً كالأملاك المشتركة قبل خروجها عن الاشتراك ، مثل الغابات والبحار والأنهار حسب الضوابط المقررة في الشرع .
وترى ان اللَّه يرزقنا مع الطيبات غيرها ثم ينهاها عن غيرها ، فلماذا - إذاً - يرزقنا ؟ إنه قد يرزقنا من غير الطيبات أكلًا ولكنها من الطيبات لغير الأكل كالأصباغ أما شابه ! ثم ومن الطيبات ما يُصنع منها غير الطيبات وهي رزق غير حسن بما أساء الإنسان :
« وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً »
« 3 » فثمرات النخيل والأعناب هي كأصلها رزق حسن ، وقد يتخذ منها سَكَرٌ وهو غير حسن .
وقد تعني
« طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ »
فيما عنت ، أن ما رزقناكم للأكل هي كلها طيبات ، إضافةَ الصفة إلى الموصوف : كلوا من الطيبات التي رزقناكم ، ولكنه كمعنى خاص يخرج الرزق عن عمومه ، الشامل لغير الطيبات التي نصنعها من الطيبات .
هامش
( 1 ) نور الثقلين 1 : 152 عن أبي جعفر عليه السلام في الآية :« مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا »في دعاءك إياهم ، أي مثل الداعي لهم إلى الايمان كمثل الناعق في دعائه المنعوق به من البهائم التي لا تفهم وانما تسمع الصوت ، فكما أن الانعام لا يحصل لهم من دعاء الداعي إلّا السماع دون تفهم المعنى فكذلك الكفار لا يحصل لهم من دعائك إياهم إلى الايمان إلّا السماع دون تفهم المعنى . لأنهم يعرضون عن قبول قولك وينصرفون عن تأمله فيكونون بمنزلة من لم يعقله ولم يفهمه . .
( 2 ) 2 : 172
( 3 ) ) 16 : 67