ومن ثم لم يكن من الصالح سياسياً اسلامياً للقيادة العليا الرسالية إثارة حروب دموية داخل البيوت ، إذ كان المسلمون في العهد المكي فروعاً قليلة من غزيزة البيوت ، ولم تكن هناك سلطة موحدة تتولى الإيذاء العام ، فلو أذن للمسلمين بالدفاع لكان معناه الإذن في إقامة المعارك المتواصلة في حل البيوت ، مما كان يجعل الإسلام في نظر المشتركين دعوةَ تفتيت للبيوت ، فأما بعد الهجرة وقد انعزلت الكتلة المؤمنة كوحدة مستقلة وحيدة غير وهيدة فقد تغيّرت الحال فتحولت إلى سماح القتال .
كل ذلك إضافة إلى أن مسلمي مكة وهم شذر نزر ما كانوا يستطيعون البُقيعة على أنفسهم ونفائسهم ، فضلًا عن الدفاع الدموي ، الذي ما كان يخلِّف إلا إستئصالًا للكتلة المؤمنة عن بكرتها وهي في بزوغها ولمّا تقوى .
لهذه وأشباهها كان العهد المكي عهد الاستسلام حتى يأتي امر اللَّه وقد أتى ابتداءً بالإذن في القتال ، وانتهاء إلى حرب دائبة
« حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ »
وطبعاً بعد إلقاء الحجة الساطعة والبيان ، والتأكيد من عناد الكفار وصمودهم على إثارة الفتن .
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
« 1 »
« هم » المكرورة هنا راجعة إلى المقاتلين من الكفار وليسوا هم جميعاً ، فالحرب حتى الآن هي الدفاعية المحضة دونما أية هجمة ابتدائية .
و
« ثَقِفْتُمُوهُمْ »
لا تعني فقط وجدتموهم أو اخذتموهم
« مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا »
. « 2 » فهي أخص من وجدتموهم :
« فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
هامش
( 1 ) . سورة البقرة 2 : 191
( 2 ) ) . سورة الأحزاب 33 : 61