وعلى ذلك فمعنى الآية الكريمة :
وما نقول لك إلا أنّ آلهتنا أصابتك بسوء ؛ لأنك سفّهتهم وأبطلت ألوهيّتهم ، وجئت بإله جديد من عندك ، فأصابتك الآلهة بسوء - يراد به الجنون - فأخذت تخلط في الكلام الذي ليس له معنى .
ويردّ عليهم هود عليه السّلام بما جاء في نفس الآية :
. . قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا
« 1 »
أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
( 54 ) [ هود ]
وهو يشهد اللّه الذي يثق أنه أرسله ، ويحمى ذاته ، ويحمى عقله ؛ لأن عقل الرسول هو الذي يدير كيفية أداء البلاغ عن اللّه .
والحق سبحانه وتعالى لا يمكن أن يرسل رسولا ولا يحميه .
وقد قال الكافرون عن سيدنا رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنه مجنون ؛ فأنزل الحق سبحانه وتعالى قوله الكريم :
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ
« 2 »
( 3 ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( 4 ) [ القلم ]
ونحن نعلم أن المجنون لا خلق له ، وفي هذا بيان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قمة العقل ؛ لأنه في قمة الخلق الطيّب .
وهنا يشهد هود عليه السّلام قومه ويطالبهم أن يرجعوا إلى الفطرة السليمة ، ويحكموا : أهو مجنون أم لا ، ويشهدهم أيضا أنه برئ من تلك الآلهة التي يشركون بعبادتها من دون اللّه تعالى .
ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان هود عليه السّلام :
هامش
( 1 ) طلبه للشهادة هنا ليس لأنهم أهل للشهادة ، ولكن المعنى : وأشهدكم نهاية للتقرير ، أي : لتعرفوا أنني برئ من عبادة الأصنام التي تعبدونها . انظر تفسير القرطبي ( 4 / 3370 ) .
( 2 ) غير ممنون : أي : غير مقطوع ، بل هو دائم ، ويحتمل أنه غير مكدّر بالمنّ والتقريع والفخر به . والمعنيان لا يتعارضان [ القاموس القويم 2 / 240 ] .