وحيثية لجوئهما إليه هو قولهما :
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
( 36 ) [ يوسف ]
وهذا يدل على أن الإحسان أمر معلوم لكل البشر ، حتى أصحاب النفوس المنحرفة ، فلا أحد يمكن أن يحكم على آخر أنه محسن إلا إذا وافق عمله مقاييس الإحسان في ذهن من يصدر هذا الحكم .
فكل نفس تعرف السوء ، وكل نفس تعرف الإحسان ، ولكن الناس ينظرون إلى الإحسان وإلى السوء بذاتية أنفسهم ، ولكنهم لو نظروا إلى مجموع حركة المتحركين في الكون ، ونظروا إلى أىّ أمر يتعلق بالغير كما يتعلق بهم ؛ لعرفوا أن الإحسان قدر مشترك بين الجميع .
ونجد اللص - على سبيل المثال - لا يسيئه أن يسرق أحدا ، لكن يسيئه لو أن أحدا قام بسرقته ، وهكذا نرى الإحسان وقد انتفض في أعماقه حين يتوجه السوء إليه ، ويعرف حينئذ مقام الإحسان ، ولكنه حين يمارس السرقة ؛ ويكون السوء متوجها منه إلى الغير ؛ فهو يغفل عن مقام الإحسان .
إذن : إن أردت أن تعرف مقام الإحسان في مقاييس الفضائل والأخلاق ؛ فافهم الأمر بالنسبة لك إيجابا وسلبا .
والمثال الذي أضربه دائما هو : قبل أن تمدّ عينيك إلى محارم غيرك ، وتعتبر أن هذا ليس سوء ، هنا عليك أن تعرف مقياسه من الحسن إن نقلت الأمر إلى الصورة العكسية ؛ حين تتجه عيون الغير إلى محارمك .