ولماذا لم يقل الحق : لقد همّت به ولم يهم بها ؛ حتى نخرج من تلك القضية الصعبة ؟
ونقول : لو قال الحق ذلك لما أعطانا هذا القول اللقطة المطلوبة ؛ لأن امرأة العزيز همّت به لأن عندها نوازع العمل ؛ وإن لم يقل لنا أنه قد همّ بها لظننا أنه عنّين « 1 » أو خصاه موقف أنها سيدته فخارت قواه .
إذن : لو قال الحق سبحانه : إنه لم يهمّ بها ؛ لكان المانع من الهمّ إما أمر طبيعي فيه ، أو أمر طارىء لأنها سيدته فقد يمنعه الحياء عن الهمّ بها .
ولكن الحق سبحانه يريد أن يوضح لنا أن يوسف كان طبيعيا ، وهو قد بلغ أشدّه ونضجه ؛ ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها .
وهكذا لم يقم يوسف عليه السّلام بما يتطلبه ذلك لنقص فيه ؛ ولا لأن الموقف كان مفاجأة ضيّعت رجولته بغتة « 2 » ؛ مثل ما يحدث لبعض الشباب في ليلة الزفاف ، حين لا يستطيع أن يقرب عروسه ؛ وتمر أيام إلى أن يستعيد توازنه . ويقرب عروسه .
إذن : لو أن القرآن يريد عدم الهمّ على الإطلاق ؛ ومن غير شئ ، لقال : ولقد همّت به ولم يهم بها .
هامش
( 1 ) العنين : الذي لا يأتي النساء ولا يريدهن بيّن العنانة . وعنّن عن امرأته إذا حكم القاضي عليه بذلك أو منع عنها بالسحر . وامرأة عنينة كذلك : لا تريد الرجال ولا تشتهيهم .
وسمّى عنينا لأنه يعن ذكره لقبل المرأة من عن يمينه وشماله فلا يقصده . [ لسان العرب - مادة : عنن ] .
( 2 ) بغته بغتا وبغتة : فاجأه على غرة وغفلة ، قال تعالى :فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ( 95 ) [ الأعراف ] والمباغتة : المفاجأة والبغت والبغتة : الفجأة ، وهو أن يفجأك الشئ .
[ لسان العرب - مادة : بغت ] .